أخيراً، وبعد سنة ونصف من التحقيقات في فضيحة سجن «أبو غريب»، خلصت لجنة من مجلس الشيوخ إلى تحميل وزير الدفاع السابق، دونالد رامسفيلد، المسؤولية. أهمية التقرير، ولو المتأخر، أنه أكّد ما كان معروفاً، من البداية. فالوزير هو الذي أوحى بتلك السلوكيات المشينة، التي أدّت إلى الانتهاكات والفظائع؛ بحق مدنيين عراقيين، أواخر 2003.
لكن الأمر، على خطورته وفظاعاته، أبعد من ذلك. فما ينبغي وضعه أيضاً، في قفص الاتهام، بل ومحاكمته؛ هي سياسة التعذيب التي اعتمدتها إدارة بوش. ربما كانت حصّة «أبو غريب»، هي الأكبر.
وبكل حال ما حصل في ذلك السجن سيئ الصيت، كان الشيء اليسير، مقارنة مع ما لحق بالعراق ككل؛ بفعل سياسة الحرب؛ التي كان الوزير من أبرز مهندسيها ومفبركي ذرائعها، حتى قبل أحداث 11/ 9. حقيقة عادت «نيويورك تايمز» لتؤكّدها في افتتاحيتها الرئيسية، قبل أيام.
الإساءة الفاضحة التي تعرّض لها المعتقلون في سجن أبو غريب، «لم تكن فقط عملية تصرف فردي من جانب بعض الجنود»، حسب التقرير. هي جاءت نتيجة لسياسة الاستجواب، الموافق عليها من الوزير «والتي كانت توحي بأن الضغوط الجسدية وعمليات الإذلال، كلها طرق مناسب استخدامها مع الموقوفين»، وفق ما رأته اللجنة.
وقد رفض التقرير ما سبق للوزير وزعمه من أن سياسات الوزارة لم يكن لها دور في ما ارتكبه الجنود الأميركيون من انتهاكات وإساءات؛ في أبو غريب وغيره. دحضت اللجنة في خلاصة تحقيقها، هذا الرد. الإفادات التي استمعت إليها والتحريات التي قامت بها تدلّ على «أن رامسفيلد وغيره من كبار مسؤولي إدارة بوش، يتحملون المسؤولية الكبرى للانتهاكات التي ارتكبها العسكريون في السجون والمعتقلات». إدانة صريحة، لا بد أنها ارتكزت على أدلة قاطعة.
هذا ما ذكره ملخّص التقرير، الذي حظي بإجماع أعضاء اللجنة الحاضرين؛ عند التصويت. القسم الأكبر من التقرير بقي في خانة الوثائق السرية. واضح أنه يحتوي على معلومات وتفاصيل، أشدّ وأدهى؛ من حيث الحساسية والإحراج.
والمعروف أن هناك، بالإضافة إلى غوانتانامو، معتقلات أخرى؛ عرفت بالسجون السرية المتنقلة؛ خارج أميركا؛ والتي تشرف عليها وكالة الاستخبارات المركزية. وسبق وحصل لغط واسع بشأنها. خاصة وأن الإدارة أصرّت على ضرورة إطلاق يد الوكالة، عند استجواب المعتقلين فيها.
من أهم الأمور، بعد انكشاف أي فضيحة؛ وصول التحقيق إلى كشف «أبطالها» وتدفيعهم الثمن. في ذلك خدمة للعدالة وعبرة للآخرين. في فضيحة «أبو غريب»، ربما تحقق الشق الأول. أما الثاني فيبقى حبراً على ورق رامسفيلد خارج الإدارة. ومساءلته متعذرة. وهذا هو المفقود الأكبر في هذا الملف.




















