بعد ستة أشهر من الانقلاب العسكري في موريتانيا الذي قاده الجنرالان محمد ولد الشيخ محمد أحمد، ومحمد ولد عبد العزيز، وكلاهما عضو في المجلس العسكري الانتقالي الذي قاد المرحلة الانتقالية من 2005 حتى 2007، و أطاح بالرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله المنتخب ديمقراطيا في 25 مارس 2007، في أول انتخابات رئاسية ديمقراطية من نوعها تعرفها البلاد منذ استقلالها عام 1960،لا يبدو أن هناك تسوية تلوح في الأفق للخروج من الأزمة القائمة في موريتانيا.
ومنذ الانقلاب العسكري الذي حصل من دون إراقة دماء في 6 أغسطس الماضي، هناك رجلان يدعياّن بأحقية السلطة في موريتانيا البلد العربي الإفريقي الذي يبلغ تعداد سكانه 3،8ملايين نسمة، و الذي يعيش نصف سكانه تحت خط الفقر، فضلا عن أن معدل الحياة فيه لا يتجاوز 53 سنة.
الأول هو الجنرال محمد ولد عبد العزيز قائد الانقلاب العسكري، الذي كان في السابق قائداً للأمن الرئاسي، إذ رقاه الرئيس المخلوع إلى رتبة جنرال منذ عدة أشهر، وعيّن ابن عمه الدكتور عبد الله ولد ابن حميدة وزيرا للشؤون و التعاون ؟
سفير سابق في طرابلس الغرب-أما اليوم فهو الرجل القوي في موريتانيا الذي يترأس المجلس الأعلى للدولة المؤلف من اثنتي عشر قائداً عسكرياً، إضافة إلى رفيق دربه الجنرال محمد ولد الغزواني قائد أركان الجيش،الذي رقاه الرئيس المخلوع هو الآخر إلى رتبة جنرال قبل بضعة أشهر أيضا، و(قد عين ابن عمه محمد محمود ولد محمد الأمين وزيرا للدفاع).
أما الرجل الثاني، فهو الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله الذي مارس مهامه كرئيس منتخب للدولة الموريتانية لمدة خمسة عشرة شهرا. ويعتقد المحللون للشؤون المغاربية أن الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله لم يكن سوى «واجهة » لحكم العسكر الحقيقي الذي أتى به إلى رئاسة الدولة.
و حين أراد الرئيس الموريتاني أن يكون الرجل القوي في السلطة، لجهة تطبيق برنامجه الذي انتخب على أساسه اصطدم بالدور السياسي المتنامي لقيادة الجيش، عمل على تعيين العقيد عبد الرحمن ولد بو بكر رئيساً لأركان الجيش، و العقيد احمد ولد إسماعيل رئيسا للأركان خاصاً بالرئيس، على أن يحل هذان العقيدان على التوالي مكان الجنرالين محمد ولد الشيخ محمد أحمد،ومحمد ولد عبد العزيز..
و كانت تلك الإقالة بمنزلة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. فما كان من القيادة العسكرية المتنفذة في الجيش سوى الإطاحة بالرئيس المنتخب.
ربما كان الرئيس الموريتاني متسرعاً في موضوع إقالة الرجلين القويين في المؤسسة العسكرية اللذين لعبا دوراً مهماً في صعوده إلى السلطة، فهو لم يستفد من جاره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي أمضى تسع سنوات في سدة الرئاسة قبل أن يتخلص تدريجيا من سلطة العسكر بالتدريج، و يمسك بزمام السلطة كلها.
علماً أن بوتفليقة كان في الماضي يشتكي من أنه لا يريد أن يكون ربع رئيس أو نصف رئيس.و كان الرئيس بوتفليقة استفاد من تجربة بوضياف الذي أتى به العسكر لرئاسة المجلس الأعلى للدولة في بداية عام 1992 لكنه حين اصطدم بالمؤسسة العسكرية تمت تصفيته بالطريقة المعروفة في شهر حزيران1992.
وفي خطوة يبدو أنها ترمي إلى تجنب عقوبات من الاتحاد الأوروبي رفع المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا الإقامة الجبرية عن الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ في مسقط رأسه قرية ليمدن التي تبعد 280 كيلومترا جنوب ؟ شرق نواكشوط، و اقتادوه فجر الأحد 21 ديسمبر الجاري إلى العاصمة نواكشوط.
و من خلال القيام بهذه العملية أرادت القيادة العسكرية مفاجأة الجميع، حتى لا يتم تنظيم مظاهرة جماهيرية تحتفي بعودة الرئيس المخلوع إلى العاصمة لكي يظهر من جديد بوصفه الرئيس الشرعي للبلاد.
بالنسبة للعسكر الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبدالله ينتمي للماضي، وهو في وضعية الرئيس السابق، و الحال هذه لا يعني رفع الإقامة الجبرية عنه عودته إلى السلطة. وبالمقابل تدفع الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية الموالية لسيدي والمعارضة للانقلاب،السلطة العسكرية إلى ارتكابها «الخطأ»، لإجبارها على إعادة الرئيس المخلوع إلى كرسي الرئاسية، في ظل غياب استراتيجية واضحة.
كاتب تونسي
tawfik-m@scs-net.org
"البيان"




















