في معرض تفتيشي عن قناة بردى , اضطررت لاستعراض قنوات قمر النيل واحدة اثر أخرى وعددها يتجاوز ( 480 ) قناة , وقف شعر رأسي هلعا في النهاية وانتابتني نوبة من الحزن والهم والقلق من جراء ما شاهدت , أعتقد جازما أن عدد القنوات الجادة والمعنية بتنمية حس وذوق ووعي المشاهد على هذا القمر لاتتجاوز عدد أصابع اليد , ونصيب البرامج النظيفة في هذه القنوات جميعها لا يتجاوز 4% . حصة الأسد من تلك القنوات تتنازعها ثلاثة جهات
1- القنوات التي ترصد تحركات الحاكم وبطانته ومن استقبل ومن ودع في اليوم .
2- القنوات الاستعراضية على شاكلة قنوات روتانا وأخواتها .
3- القنوات التي ترفع شعار الإسلام هو الحل , وكيف ترى كل قناة خدمة الشعار المركزي , سواء بالترويج للقاعدة أو بالتعريف في الطب النبوي أو بتعداد إعجاز القرآن .
أما القنوات االتي هي على شاكلة قناة بردى فهي تعجز عن استمرار البث بسبب ضعف إمكانياتها تارة والتشويش عليها تارة أخرى.
ليس الوضع أفضل حالا مع بقية القنوات على كل الأٌقمار العالمية , فجميعها تقريبا تروج للاباحية والاعلان التجاري بالدرجة الأولى , وتخاطب الغرائز اكثر مما تخاطب العقل .
وهكذا بكل بساطة تصوغ هذه القنوات اعلاما يراد منه خدمة الأغنياء والأقوياء في المجتمع الذي لا يتجاوز عددهم 9%على حساب غالبية المجتمع , والخدمة تكون في غسل أدمغة الجيل الناشئ وجعله سطحيا ومحشوا بتوافه الأمور مما يسهل عليهم تمرير مشاريعهم وخططهم وزيادة ثرواتهم وثروات أبنائهم مستقبلا .
وليس الاعلام الا جزء من كل , والكل يشير إلى أن الأغنياء في هذا القرن ازدادوا غنى وقل عددهم , والفقراء ازدادوا فقرا وزاد عددهم , وهذه شهادة لخبير اقتصادي أمريكي (1) عمل في هيئة الأمم المتحدة عشرون عاما (( ان مجموع دخل كل من بوتسوانا ونيجيريا والسنغال واوغندة بلغ 57 مليار دولار في عام 2000 , كان هذا دخل 161 مليون شخص , بمتوسط 350 دولارا للفرد في العام , في حين أن 69 مليار دولار كان دخل أربعمائة شخص في الولايات المتحدة )) (2) .
لماذا هذا الانتصار الكاسح للأغنياء والأقوياء بعد انهيار النظام العالمي القديم وتشكل النظام الجديد الذي أصبح العالم فيه قرية كونية واحدة ؟ . وكأن التاريخ يمشي إلى الوراء . أعتقد ان بعض الأسباب تعود إلى ذكاء الأغنياء والتنسيق فيما بينهم , والى ضياع ممثلي الفقراء , وتشرذم وتفكك القوى المعنية بتنمية عريضة في المجتمع لصالح الكل والتي تلبي حقوق الانسان بشقيها السياسي والاقتصادي ( الحريات وفرص العمل ) نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض أوجه هذا الضياع .
– ان حركة مناهضي العولمة لديها الحماس والرغبة لخدمة الفقراء ولكن من وجهة نظر أخلاقية أكثر مما هي عملية , ولو أنها أخذت على عاتقها العمل من اجل الفقراء من داخل مؤسسات العولمة القائمة بدلا من التركيز على إسقاط العولمة ,لكان في ذلك خدمة للفقراء أكثر بكثير من رفضها للعولمة . إلى يمين هؤلاء يقف الاشتراكيون بكل تلاوينهم والذين مازالوا يرون ان العمل يجب أن يكون باتجاه تجاوز الرأسمالية .
– عدم قدرة الوطنيين الديمقراطيين التنسيق فيما بينهم على المستوى المحلي والعالمي لايجاد برنامج واقعي يضغط باتجاه تغيير المؤسسات الدولية التي ما تزال تعمل بآلية تخدم الأقوياء في المجتمع مثل مجلس الأمن الحالي . أو باتجاه دعم القوى الديمقراطية وتقويتها بوجه القوى المحافظة في المجتمع .
لهذه الأسباب ولغيرها نرى ان برنامج المحافظين يتقدم على الأرض وبرنامج الديمقراطيين يتقهقر إلى الوراء وهذا ماهو حاصل الآن في أمريكا وإيران .
كامل عباس – اللاذقية
……………………………………………..
هوامش :
1- هذا الخبير الاقتصادي هو جيفري ساكس مؤلف كتاب نهاية الفقر الذي يقول في مقدمته : ( ان اكثر من ثمانية ملايين شخص يموتون حاليا في جميع أنحاء العالم كل عام لأنهم أشد فقرا من ان يبقوا على قيد الحياة , ويستطيع جيلنا أن يختار إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2025 ) ولكنني أظن أنه اذا بقي على قيد الحياة حتى ذلك العام سيجد ان أكثر من عشرة ملايين شخص يموتون من الجوع .
2- نهاية الفقر . جيفري جاكس , ترجمة د احمد امين الجمل , الطبعة الأولى , الجمعية المصرية لنشر المعرفة ص 352 .




















