لا تملك البدائل التي قذفها رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، بوجه المجتمعين في قمة سرت، ومن ورائهم العالم، أي حظوظ في النجاح، فلا إدارة الرئيس باراك أوباما، ومهما بالغت في التلميح عن انزعاجها من حكومة نتنياهو، مستعدة للذهاب بعيداً في مواجهة إسرائيل والسماح بإصدار قرار عن مجلس الأمن يقر دولة فلسطين العتيدة على الأرض، ولا دول العالم قادرة عبر جمعيتها العمومية على إجتراح معجزة إقامة الدولة الفلسطينية، كما أن إمكانية موافقة إسرائيل على طلب إعادة احتلالها للجزر الفلسطينية الباقية أمراً لايبدو مضموناً حتى لو توسل لها العرب والعالم كله.
وحده، مقترح حل السلطة الوطنية يبدو أكثر الحلول إمكانية للتطبيق، وأكثرها عملياتياً وقدرة على التأثير، ربما لأنه الحل الوحيد الذي يشكل الفلسطينيون طرفا فيه، وبالرغم من ذلك فإن الأمر لا يكاد يخلو من وجود بعض العوائق الذاتية والموضوعية التي قد تحول دون تحقيق هذا الخيار:
عدم قدرة النخبة السياسية الفلسطينية على مقاومة إغراءات السلطة والتنازل عنها، فإذا كان الرئيس عباس قادر على الإستقالة والخروج من جنة السلطة، فإن ذلك لا يضمن إقدام سلطة بكاملها على القيام بخطوة كهذه، وفي المحصلة فإن السلطة الفلسطينية لاتختلف عن أي نظام سياسي آخر، لا يملك فرد، أياً كان موقعه وتأثيره دفع هذا النظام إلى الاستقالة، في حين أن العكس هو الصحيح؛ فالنظام الفلسطيني قادر على استبدال عباس (المسؤول الذي ترسخ في الوجدان الفلسطيني، والواقع العملي، كتنوقراطي أكثر منه مرجعية ثورية ونضالية).
ينطوي النظام الفلسطيني، مثل أي نظام سياسي أخر، على وجود العديد من مراكز القوى والمصالح والأجنحة والتيارات، ذات الرؤى والمواقف وإن لم تكن متناقضة بالمطلق فإنها تمتلك صفة التعددية، وقد تم شرعنة هذا الواقع وإقراره في المؤتمر الأخير لحركة فتح (المؤتمر السادس)، الذي استطاع احتواء هذه التعددية عبر بناء التوازنات في سلطة القرار من اللجنة المركزية إلى المجلس الثوري وحتى الحكومة.
ترتبط قدرة النظام الفلسطيني على اتخاذ قرارات نوعية وفارقة بتوجهات البيئتين الإقليمية والدولية بدرجة كبيرة، وذلك بالنظر إلى حجم التأثير الذي تملكه هاتان البيئتان سواء في أداء النظام الفلسطيني (قراراته وتوجهاته)، او في بنية هذا النظام وتركيبته السلطوية، ما يعني ان تأثيرات قرارات الرئيس عباس تبقى محدودة الأثر ما لم تتساوق مع توجهات البيئتين المذكورتين.
وبالرغم من ذلك، لا يمكن التقليل من إمكانية نفاذ خيار حل السلطة، وخاصة وأن هذا الخيار يمتلك جاذبية لدى العديد من شرائح المجتمع الفلسطيني، سواء تلك التي في الضفة غزة، أو في صفوف اللاجئين الفلسطينيين، حيث تشير المعطيات إلى وجود حالة من عدم الرضا عن أداء السلطة على الصعد الإنمائية والخدمية في مدن وقرى الضفة الغربية، خارج رام الله، والتي تحولت، وبنظر الفلسطينيين، إلى عاصمة للبرجوازية الفلسطينية تحظى بدعم وانحياز السلطة لها، وهذه البرجوازية باتت هي المحدد لخيارات الشعب الفلسطيني وتوجهاته، وبالتأكيد فإن الوضع الراهن يبقى خيارها المناسب والذي يتيح لها فرصة الإستمتاع بثرواتها ومراكمة المزيد منها، ولا تناسبها خيارات أخرى من نوع المقاومة والنضال والثورة التي أرهقتها لعقود مضت.
وفي مخيمات اللجوء يحمل هذا الخيار جاذبية خاصة، ولا يرتبط ذلك بالأداء التفاوضي للسلطة، بقدر ما هو تعبير عن السخط من الممارسات الإسرائيلية تجاه السلطة والشعب الفلسطيني في الداخل، فضلاً عن حقيقة ان السنوات السابقة أثرت وبشكل كبير في دور وفعالية اللاجئين الفلسطينيين الذين لعبوا أدواراً مؤثرة وفاعلة في تاريخ القضية الفلسطينية وعلى أكتافهم قامت فعلياً الثورة الفلسطينية المعاصرة.
على كل حال، ينطوي خيار حل السلطة على أبعاد غير تلك التي تنبأ الكثير بها، من قبيل حلول الفوضى وإرباك المحتل الإسرائيلي، وإنما إعادة تشغيل النظام الفلسطيني وفق رؤى وتوجهات مختلفة وبهدف تحقيق غايات غير تلك التي تم التعامل معها طوال فترات الصراع السابقة، والتي تركزت في إقامة دولة فلسطينييه على الأراضي التي احتلت في عام 1967 وإيجاد حل للقضية الفلسطينية، فقد استطاعت النخبة السياسية الفلسطينية ضبط الصراع على هذه الأهداف، فما الذي يضمن إستمرارها في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدنها البيئة الفلسطينية.
() كاتب فلسطيني
“المستقبل”




















