كيف أو بماذا سترد الدولة اللبنانية وأجهزتها الامنية والعسكرية على “السيناريوات” الانقلابية المتعددة الشكل اذا صار تنفيذها بعدما أطلقها ويطلقها أركان في قوى 8 آذار من على شاشات التلفزيون بدون خجل ولا وجل، فيثيرون الذعر والرعب في قلوب الناس الآمنين وبدون أي احترام للسلطة وقوانينها ولا لما نص عليه اتفاق الدوحة الذي حظر اللجوء الى استخدام السلاح او العنف او الاحتكام اليه، فيما قد يطرأ من خلافات أيا كانت هذه الخلافات وتحت أي ظرف كان بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية القائم على تصميم اللبنانيين على العيش معا في اطار نظام ديموقراطي وحصر السلطة الامنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة، بما يشكل ضمانا لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الاهلي للبنانيين كافة؟
وبماذا ترد الدول والجهات العربية التي شاركت في مؤتمر الدوحة على انتهاك هذا الاتفاق وهي قطر والجامعة العربية، والمملكة الاردنية الهاشمية ودول الامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين والجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية وجمهورية جيبوتي وسلطنة عمان والمملكة المغربية والجمهورية اليمنية؟ وبماذا ترد سوريا بصورة خاصة وهي تكرر القول ان أمنها من أمن لبنان وأمن لبنان من أمنها، ولا سيما ان بينها وبين لبنان معاهدة أخوة وتعاون وتنسيق واتفاق أمن ودفاع لا يزالان ساريين ما دام البلدان لم يعيدا النظر فيهما حتى الآن رغم ما لدى بعض الزعماء اللبنانيين من ملاحظات عليهما؟
تقول أوساط سياسية ان من يعلن عن “سيناريوات” انقلابية على الدولة وعلى كل من هو في الخط السياسي الآخر وتحديدا قوى 14 آذار وهي تستهدفهم وتستعد للاعتداء عليهم، انما يلقي على الجيش وقوى الامن الداخلي مسؤولية الدفاع عن مؤسسات الدولة وعن المواطنين المسالمين، فالمشهد على الارض هذه المرة قد يكون مختلفا عن المشهد الذي ساد في 7 ايار حيث كانت المواجهة بين طرفين جعلت القوات المسلحة تقوم بدور الفصل بين المتواجهين ولم تكن في مواجهة طرف واحد لتطلق النار في اتجاهه. فاذا تصرفت الاجهزة الامنية والعسكرية للدولة كما تصرفت في 7 ايار ولم تتدخل فورا لوقف كل معتد على الاملاك العامة والخاصة وعلى المواطنين المسالمين، فانها تكون المسؤولة عن اشعال نار الفتنة إذ تجعل كل فئة تتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها وكأن لا دولة ولا أجهزة أمنية.
وترى الاوساط نفسها ان الدولة وأجهزتها تستطيع مواجهة أي سيناريو من السيناريوات التي يتباهى بها بعض قوى 8 آذار بتنفيذها ضد قوى 14 آذار وضد مؤسسات الدولة باجراءات فورية تكون بحجم الاعتداء حتى ولو اضطرت الى اعلان حالة طوارىء ومنع التجول في بعض المدن والمناطق دفاعا عن نفسها وعن مواطنيها او اعلانها مناطق عسكرية.
أما مسؤولية الدول العربية التي عليها ان تتحملها فهي الزام كل الافرقاء في لبنان التقيد بأحكام اتفاق الدوحة تحت طائلة اتخاذ الاجراءات اللازمة، كما أن مسؤولية مواجهة الحركة الانقلابية تقع ايضا على عاتق مجلس الامن الدولي لان القرار الظني الذي سيصدر عن المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد يكون سبب قيام هذه الحركة وان على مجلس الامن تقع مسؤولية حماية هذا القرار من المتصدين له وذلك باتخاذ اجراءات رادعة والا فقدت المحكمة هيبتها وباتت المحاكم الدولية بدون معنى ولا جدوى منها.
والأهم من كل ذلك في رأي الاوساط نفسها هو موقف سوريا بالذات من اعتداءات تقع على أمن لبنان وعلى المواطنين على يد حلفائها وهو أخطر بكثير من اعتداء تقوم به اسرائيل لانه اعتداء يوحد اللبنانيين فيما الاعتداء من الداخل يفرقهم ويقسمهم ويضعهم في مواجهة بعضهم البعض وهذا أقصى ما تتمناه اسرائيل. ومن مسؤولية سوريا ليس انتظار طلب لبنان تدخّلها لوقف احتمال قيام حلفائها في لبنان بتقويض الاستقرار فيه، انما الطلب اليهم بحزم الامتناع عن ذلك ترجمة لمقولة أمن لبنان من أمنها فعلا لا قولا، إذ لا أحد يصدق ان سوريا المتحالفة مع ايران لا تمون على هؤلاء الحلفاء، ولا تفرض عليهم احترام أحكام اتفاق الدوحة خصوصا ان لبنان اذا تعرض لفتنة فانها قد تمتد الى دول المنطقة لتشعل حربا واسعة تفتح الابواب لتنفيذ مخططات دولية او صهيونية في وقت أكثر ما يكون اللبنانيون والعرب في أمس الحاجة للتضامن تحسبا لأي عدوان اسرائيلي او تنفيذ لهذا المخطط عدا أن هناك شبكة أمان لحماية الاستقرار في لبنان مؤلفة من المثلث السعودي – السوري – الايراني. وهذا المثلث قادر على ضبط الوضع في لبنان نظرا الى قوة تأثيره على كل الافرقاء فيه، إذ لا أحد يصدق ان هذا المثلث غير قادر على حفظ الامن في لبنان ومنع تقويض استقراره.
ولا بد من التذكير باتفاق الدفاع والامن بين لبنان وسوريا الموقع في تاريخ 17/8/1991 استنادا الى معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين، اذ ان هذا الاتفاق ينص على الآتي:
“بغية تأكيد تعهد كل من البلدين عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا او سوريا لأمن لبنان في أي حال من الاحوال، على الاجهزة العسكرية والامنية في كل من البلدين اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع أي نشاط او عمل او تنظيم في كل المجالات العسكرية والامنية والسياسية والاعلامية من شأنه الحاق الاذى والاساءة للبلد الآخر (هذا الاجراء لم ينفذ شيء منه) وان يلتزم كل من الجانبين عدم تقديم ملجأ او تسهيل مرور او توفير حماية للأشخاص والمنظمات الذين يعملون ضد أمن البلد الآخر، وفي حال لجوئهم اليه، يلتزم الجانب الآخر القبض عليهم وتسليمهم الى الجانب الثاني بناء على طلبه (هذا الاجراء لم يتم تنفيذه) ولكي تتمكن الاجهزة العسكرية والامنية في كل من البلدين من القيام بمهماتها للسهر على تنفيذ الاجراءات المطلوبة، فانها تنسق اجتماعاتها الدورية في كل من البلدين لاجراء تبادل المعلومات يشمل كل قضايا الامن القومي والداخلي بما في ذلك قضايا المخدرات والارهاب والتجسس وينسق العمل على متابعتها ومعالجتها في كلا البلدين او في الخارج ايضا مع المؤسسات الدولية عند الاقتضاء وتتخذ كل التدابير القانونية والاجرائية لتسهيل العمل المشترك لأجهزة البلدين وأعمال الملاحقة والمعالجة” (لم ينفذ ذلك الا استنسابيا).
لقد بات أمرا ملحا تنظيم العلاقات اللبنانية – السورية في ضو ء الاتفاقات المعقودة في شتى المجالات، فلا يتذكرها طرف ساعة يشاء لتطبيق ما فيها بدون أي تنسيق مع الطرف الآخر كما حصل في الاتفاق القضائي الذي صدرت بموجبه المذكرات بحق شخصيات لبنانية وغير لبنانية. ولا أحد يعرف متى يتذكر طرف ما جاء في اتفاق الامن والدفاع، لتطبيق ما يرى ان له مصلحة في تطبيقه. وفي ظرف معين بدون علم الطرف الآخر، لا أن يظل تطبيق الاتفاقات بين البلدين ظرفيا واستنسابيا ومصلحيا.
وما دام الامن في لبنان مهددا ليس من الخارج فحسب بل من الداخل ايضا وهو الاخطر، فينبغي على الدولة اللبنانية التشاور والتنسيق مع الدولة السورية في الامر سواء في ضوء ما نص عليه الاتفاق او في ضوء أي اتفاق آخر للتمكن من ترجمة مقولة: “أمن سوريا من أمن لبنان”… فيتخذ القرار الحازم ولا يظل مجرد شعار…
“النهار”




















