زهير قصيباتي
رأس الطفلة الضحية للجلاد الاسرائيلي في غزة… رأس القضية الفلسطينية الذي يريده "كبار" الدولة اليهودية قرباناً ليهوديتها. أما الدمار والخراب فليسا سوى مرآة لحال العرب، وأحوال منطقتهم كما يشتهيها الجلاد وحماة "حقوقه" وأمنه… وكما يتمنى القريبون البعيدون، للمشاركة في وليمة الدم وتعديل الخرائط.
حبر الخرائط في 12 يوماً من المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة، حوالي سبعمئة شهيد فلسطيني. وأما التهدئة التي قبلت بها إسرائيل لمنح المبادرة المصرية حيزاً من الوقت، فلن تكون على الأرجح سوى استراحة قصيرة للجلاد الواثق بقدرته على تعطيل المبادرة سريعاً.
هل ينتظر مجلس الأمن مزيداً من الدم والذبح في غزة، كي يتدخل بقراره الذي سيغطي توافقاً عربياً – دولياً على وقف القتل، وبصيغة قد لا تصمد طويلاً؟ يستغرب وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط الذي يدرك مغزى شكوى وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل من التناقض بين سعي واشنطن الى السلام ومنحها إسرائيل كل ما تريده… ويدرك أيضاً أن أي قرار لمجلس الأمن لا بد من أن يمر عبر البوابة الأميركية كي يصبح قراراً، وهي لن تقبل بتمرير أي صيغة تغلّ يد الجلاد.
هكذا، يكون على العرب ووزرائهم في نيويورك مراعاة سيف الفيتو الأميركي، فيما غزة وأطفالها تحت حمم تصفية قضية فلسطين، وذبح مشروع الدولة. مجلس الأمن في المحطة الأميركية دائماً، كلام لم يعد يعني شيئاً، وحتى مشروع القرار العربي – ولو صدر – لن يحول دون إصرار الإسرائيلي على "تغيير الوقائع في المنطقة". كلامه لا يعني سوى أن مرحلة مراعاة الجوار ولّت الى غير رجعة.
3 ساعات يومياً منحة من العدوان لضحاياه… كأن المطلوب تهجير أهالي غزة، احتماؤهم بأرض مصر، هرباً من طوق المذابح. هي مرحلة أولى في سيناريو "تغيير الوقائع"، تدمير القطاع و "حماس" لوقف صواريخ "حماس"، وترك صحراء الخراب عبئاً على مصر، وعلى حدودها، لإرغامها تدريجاً على إدارة القطاع.
وإذا أضيف تحذير أبو الغيط الفلسطينيين من إهدار فرصة، قد تكون الأخيرة، لإنجاز المصالحة بين "حماس" والسلطة، أو شرذمة فلسطين دولتين، وأضيف قلق الأردن من "المؤامرة" الكبرى، وتحريض جون بولتون على شطب فلسطين بحلٍّ للدول الثلاث، اسرائيل ومصر (زائدة غزة) والأردن (الوطن البديل في الخيار الشاروني)… كل ذلك يجعل العرب في بحر النكبة الكبرى. بل لعلها أكثر بشاعة من 1948.
هم أمام قمة حضورها صعب، كصعوبة تأمين الإغاثة للمشردين والمنكوبين في غزة. الأكيد أن هول الكارثة أمام مشاهد أطفال المجازر الاسرائيلية، ليس وحده ما يمنع التئام عقد القمة العربية. هم ينشدون مصالحة فلسطينية – فلسطينية ملحّة سريعاً، ولكن لا وقت في غزة إلا ما تيسّر للجنازات، وخطابات التحدي، على الركام والخراب.
أليست "حماس" أيضاً ضحية للجلاد؟ هو وهي يرفضان نشر قوات دولية في قطاع غزة، الجلاد الذي يراه ساركوزي "ديموقراطياً" لا يكترث لإحصاء ضحاياه. وقف دائم لإطلاق الصواريخ على اسرائيل، أي تجريد "حماس" من تفعيل المقاومة، لم يعد يرضيه… غزة ليست جنوب لبنان، ومشروع "تغيير الوقائع" ما زال في بداية مراحله.
البيت الأبيض الذي يمنح جيش باراك كل الوقت لتدمير أنفاق "حماس" وسلاحها، إذ يكرر ما فعل في عدوان تموز (يوليو) 2006 على لبنان، لا يصدق أن الاسرائيلي يقصف مدارس، ويمارس حرب الإبادة… لا يصدق أن الأطفال الشهداء في غزة قتلوا برصاص اسرائيلي، وأن كل سياساته تغذي الحقد ودماء التطرف، وحلقات القتل.
ها هو الظواهري يعد أهل غزة بأن "القاعدة" آتية… نكبة 2009 هل تحتاج فصولاً أخرى؟
لعلّنا نختلف أيضاً على تسميتها، نلعن ونشتم، ونتوعد، وأمام حقد الجلاد الاسرائيلي، نردّ صاعه صاعين… الى صدورنا. هو يرغمنا على ضمان أمن حدوده، مهما بلغ عدد الشهداء، ونحن نحصي الشهادات على وحشيته، نلعن ونشتم، ونستعد لرد الصاعين الى صدورنا.
ما زال للقاع قاع آخر. ما زال هناك وقت لاكتشاف بربرية القوة الاسرائيلية، ورؤية العمى الأميركي، وإعداد مواكب الشهداء… والبحث عن "لغز" العجز العربي.
أطفال غزة الشهداء لن يرحموا ذاكرتنا يوماً.




















