يقولون إن الرئيس باراك حسين اوباما سيئ الحظ، لأنه جاء إلى سدة الحكم في ظروف في غاية السوء بالنسبة الى بلاده، فأميركا داخلياً تواجه أعتى أزمة اقتصادية في تاريخها. وخارجياً تلقت أميركا ضربات موجعة في العراق وأفغانستان والصومال وحتى في غزة، وضاعت مئات المليارات التي صرفتها على تلك الحروب من دون طائل، وساءت سمعتها نتيجة لما ارتكبت من مظالم، وما مارست من أعمال لا إنسانية ضد الناس في كثير من أصقاع العالم.
وعلى عكس ما يقول كثير من الخبراء، فإني أرى أن اوباما محظوظ، إذ جاء في هذه الظروف (النكدة) على أميركا وعلى العالم، لأن ذلك سيعطيه الفرصة ليسجل اسمه في سجل التاريخ كمنقذ وكشخصية عظيمة استطاعت ان تنقذ بلادها والعالم من خطر عظيم ونهاية سيئة. ولو أن اوباما جاء في فترة عادية، لأصبح رئيساً عادياً مثله مثل عشرات الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه، ولكنه جاء في فترة استثنائية وسيذكره التاريخ ان نجح.
ان الأخطاء البشعة التي ارتكبها رجل الحروب بوش، وتخبطاته المريعة التي أوصلت بلاده إلى الحال التي بلغتها، أوصلت اوباما وحزبه إلى الحكم، والحال التي بلغتها أميركا والعالم بسبب أخطاء بوش هي التي ستمهد الطريق لأوباما ليكون بطلاً قومياً وشخصية تاريخية ان نجح في حل المعضلات التي أدخل فيها بوش بلاده والعالم.
وإذا كنا قد قلنا ان أوباما محظوظ لوصوله الى البيت الأبيض في هذه الظروف، فهذا لا يعني ان الأمر سهل، بل انه في غاية الصعوبة، وقد أشار اوباما نفسه الى سوء الوضع في خطابه أثناء أدائه اليمين الدستورية قائلاً: «ندرك جميعاً أننا في خضم أزمة. أمتنا في حرب ضد شبكة واسعة من العنف والحقد، اقتصادنا ضعيف جداً، نتيجة الجشع وعدم المسؤولية من قبل البعض، وكذلك بسبب إخفاقنا الجماعي في اتخاذ الخيارات الصعبة وإعداد الأمة لحقبة جديدة». ولكن ما يؤكد أنه مصرّ على الخروج من ذلك الوضع السيئ انه لم يذكر كلمة اليأس ولا المستحيل، ولكنه بذكاء شديد تحدث عن الأمل وهي إشارة ذكية لصعوبة الطريق الذي يتحتم على الأميركيين السير فيه.
لو أن أي رئيس وصل إلى سدة الحكم في أميركا في هذه الظروف لانكبّ على الجرح الاقتصادي الكبير الذي أصاب أميركا، وبذل كل جهده لمعالجته، ولانشغل بالشأن الداخلي ومحاولة إصلاحه، وانصرف عن قضايا العالم وربما عاد بأميركا الى سياسة الجدار الحديدي، وفي خلده ان يعود الى زعامة العالم بعد ان تسترد أميركا عافيتها الاقتصادية.
ولكن اوباما اظهر في هذا الجانب قدرة فائقة على الفهم، فأدرك انه لو انكبّ على مشاكل أميركا الداخلية، وتخلى عن دور اللاعب الرئيس في السياسة العالمية على ان يعود إليه بعد استعادة بلاده عافيتها الاقتصادية، فإنه من الصعب أن يتسنى له لعب ذلك الدور مرة أخرى، فهناك مخالب عديدة مستعدة للانقضاض على هذا الموقع يوم تتراجع عنه أميركا قيد أنملة، كما أن اوباما أدرك أن تزعّم أميركا للعالم عامل مهم جداً لخدمة اقتصادها، فإذا تخلت عنه فإن استعادة ذلك الاقتصاد لعافيته تصبح أصعب ان لم تكن مستحيلة. ولذلك قرر اوباما ألا تتخلى أميركا عن زعامة العالم، وأن تعمل في الوقت نفسه على إصلاح اقتصادها المنهار.
اتخذ اوباما مجموعة من القرارات الاقتصادية، وأظنه سيتخذ غيرها لمعالجة الاقتصاد الأميركي، كما اتخذ قرارات كثيرة لتحسين صورة أميركا التي شوهها بوش، وفي الوقت نفسه أعلن للعالم ان أميركا لن تتخلى عن زعامة العالم في عهده، ولكنها ستخلع ذلك الوجه القبيح الذي طالما كرهه العالم، وهي بالتأكيد سياسة ستربح أميركا منها كثيراً من دون أن يكلفها ذلك ما يكسر ظهر اقتصادها الذي يعاني أصلاً.
والذي يهمنا في هذه العجالة هو ما أعلنه اوباما بخصوص العالم الإسلامي. ففي خطاب تنصيبه خاطب اوباما العالم الإسلامي ودعا إلى مرحلة جديدة من «الاحترام المتبادل القائم على المصلحة المشتركة»، ولتأكيد صدق دعوته، أمر اوباما بمجموعة من القرارات منها إغلاق سجن غوانتانامو خلال عام، وحظر على الاستخبارات الأميركية إقامة السجون السرية في أي مكان، وتعهد بانسحاب مسؤول من العراق.
لقد أدرك الرئيس اوباما السمعة السيئة التي خلفتها سياسة سلفه على أميركا نتيجة شن الحروب الظالمة وقتل ملايين الأبرياء وجرح أضعافهم وتهجير أكثر من سبعة ملايين من ديارهم في العراق وأفغانستان، ناهيك عن التدمير غير المسبوق الذي أحدثته الآلة العسكرية للبنية التحتية وكل مرافق الحياة في أفغانستان والعراق فأعادتهما إلى عصور الظلام، وانتهاء بالسجون البغيضة وعلى رأسها أبو غريب والسجون السرية وغوانتانامو، فأراد أن ينقذ ما تبقى من سمعة بلاده!
إذاً أميركا في عهد اوباما تمد يدها للعالم الإسلامي من اجل المصلحة المشتركة وعلى أساس مبدأ التعاون والاحترام، في محاولة من الرجل لعلاج ما أصاب العالم الإسلامي من جراح على أيدي الإدارات الأميركية المتعاقبة خصوصاً إدارة بوش وأيضاً لصنع واقع جديد، فهل نحن مهيأون للاستفادة من هذه الفرصة السانحة لتوثيق العلاقات لدعم قضايانا العادلة أم أننا سنضيعها بالتوجس والخوف والتردد والخلافات؟
ان القضية الأولى التي يجب أن تستفيد من هذه الفرصة هي القضية الفلسطينية، جرح المسلمين الذي ينزف لأكثر من ستين عاماً، وآخر نزيف هذا الجرح الغائر والذي لن يكون الأخير، محرقة غزة على أيدي مجرمي الدولة العبرية بدعم بوشوي صارخ، ولا بد أن أوباما شاهد قبل أيام من تنصيبه الدماء الفلسطينية التي سالت على أرض غزة، والأشلاء التي ملأت طرقاتها، كما شاهد التضحيات التي قدمها أهل غزة.
واعتقد أن أوباما يدرك تمام الإدراك أن دعوته لعلاقة تقوم على الاحترام والمصلحة المشتركة لن تتحقق وأميركا تمارس انحيازها البغيض لإسرائيل، وان العلاقة لن تهب بريح طيبة ما لم تحل قضية فلسطين، فهي القضية المحورية لحوالي بليون ونصف بليون مسلم فهي ليست قضية شعب أو عرق أو دولة واحدة!
ويبدو ان أوباما جاد في الوصول إلى حلول معقولة، وما يؤكد ذلك اختياره لزعيم الأغلبية السابق بمجلس الشيوخ مهندس السلام في ايرلندا الشمالية، السيناتور جورج ميتشل، مبعوثاً خاصاً إلى منطقة الشرق الأوسط، وهذا يعني أن أوباما يضع السلام في الشرق الأوسط نصب عينيه ويسعى إليه، وهذا عنوان يستحق كل الاهتمام من العرب والمسلمين الذين دعوا ويدعون للسلام منذ عام 1948 حتى اليوم.
وإذا كانت خارطة الطريق وهي من بنات أفكار بوش قد تاهت في الطريق، فإن العرب قدموا مبادرتهم للسلام في مؤتمرهم في بيروت عام 2002 ولم تقبل بها لا إسرائيل ولا عمتها أميركا، والسؤال المطروح اليوم وسيّد البيت الأبيض أوباما في قمة نشاطه وحيويته بادئاً عصراً جديداً في السياسة الداخلية والخارجية الأميركية: هل هو وفريقه المسؤول عن السياسة الخارجية، وعلى رأسه السيدة هيلاري كلينتون، أخلصا النيّة حقاً لتبرئة أميركا من عار الانحياز الأعمى لإسرائيل والبحث عن سلام عادل في الشرق الأوسط.
هذا ما نتمناه لمنطقة عانت وتعاني من ويلات الحروب والنزاعات والصراعات التي بلغت تكاليفها خلال العقدين الماضيين حوالي 12 تريليون دولار على ذمة دراسة أجرتها مجموعة «استراتيجيات فورسايت غروب للأبحاث» في كانون الأول (ديسمبر) الماضي وهذا المبلغ الفلكي الذي يبلغ حوالي إجمالي الناتج القومي الأميركي لم تدخل فيه كلفة تدمير غزة التي تصل إلى حوالي 3 بلايين دولار!
ان إسرائيل ظلت وبدعم أميركي لا محدود تخرق القوانين والأعراف والشرعية الدولية جهاراً نهاراً، وتقذف بكل قرارات مجلس الأمن في مزبلة التاريخ ولا احد يقول لها (لا) لأنها فوق كل القوانين ما دامت ماما أميركا إلى جانبها قلباً وقالباً ولسان حالها يقول اللي مش عاجبه يشرب من المحيط الهادي!
* رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية
"الحياة"




















