الرؤساء الأميركيون الجدد، عادة لا يبدأون عملهم في يومهم الأول مثل باقي رؤساء الدول الأخرى، فهم لا يبدأون بعقد جلسة لمجلس الوزراء، ولا بالالتقاء مع الموظفين، وإنما جرت العادة أن يبدأ الرئيس الجديد عمله بقراءة «رسالة الوداع« التي يتركها، حسب التقليد، الرئيس الراحل على منضدة المكتب.
وحسب تصريحات البيت الأبيض . فقد قرأ أوباما، الرئيس الأميركي الرابع والأربعون، الرسالة التي تركها بوش في 10 دقائق. وبعد ذلك بدأ بتنفيذ تقليد آخر، كان قد بدأه الرئيس ريغان، وهو التطهر من تركة السلف.
أمر أوباما بإلغاء أو تعليق تنفيذ أكثر من عشرين من أوامر وقرارات بوش التي لم يتم تنفيذها بعد «إلى أن تتم إعادة النظر فيها قانونيا وسياسيا»، وعلى ما يبدو أن بوش عمل في الشهرين الأخيرين من «رئاسته» بدأب. و ترك لخلفه أوباما عددا من الأوامر، لم يترك كافة الرؤساء منذ عهد ريغان مجتمعين، مثلها لمن يخلفهم.
ويجدر الاعتراف بأن «انطلاقة أوباما» كانت نشطة للغاية. فاجتمع في البداية بمستشاريه الاقتصاديين، ومع قادة كافة مؤسسات القوة والقيادة العسكرية. كما أجرى أوباما هاتفيا العديد من المشاورات الاقتصادية والعسكرية «المحلية»، واتصالات أخرى بقيادات بلدان الشرق الأوسط الرئيسية ـ و كان أولهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ومن ثم رئيس وزراء إسرائيل ايهود أولمرت، والرئيس المصري حسني مبارك، والملك الأردني عبد الله الثاني، والبداية بالرئيس الفلسطيني تعكس إلى حد ما تأثر الرئيس الأميركي بصور الضحايا في غزة، وإن كان هذا لم ينعكس على الاتصال و ما جرى فيه، ولكن الأولوية لها معنى يمكن تفسيره على هذا النمط .
وبموازاة ذلك قام فريق البيت الأبيض الجديد في يوم عمله الأول بنشر توجهات أساسية للسياسة الخارجية الأميركية في موقعه على الانترنت، وهذه خطوة لم يسبق لها مثيل. وتغيرت أولويات السياسة الخارجية لإدارة أوباما مقارنة ببوش، بشكل ملموس. فانزاح العراق إلى الموقع الأخير، ولم يحظ إلا بالتأكيد على أن «الفريق الجديد سينهي الحرب هناك بطريقة مسؤولة».
يذكر أن أوباما كان قد وعد بسحب القوات الأميركية من العراق خلال 16 شهرا بعد انتخابه، واغلب الظن أن الفترة قد تكون أكبر. وهذا في حين ارتقت إلى الموقع الأول إيران التي أبدت الإدارة الجديدة الاستعداد «لممارسة دبلوماسية صريحة ومتشددة معها دون أي شروط مسبقة». فقد كانت الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر تلمح إلى عدم إمكانية المفاوضات المباشرة مع إيران إلا في ظل وقف طهران التام للأعمال المتعلقة بصنع السلاح النووي.
وتعد إدارة اوباما في مجال الأسلحة النووية، بوقف صنع أنواع جديدة من هذه الأسلحة، بينما كانت أميركا في عهد بوش على العكس تنوي البدء ببرنامج جديد لتطوير الرؤوس النووية وتحديثها. وتتجه واشنطن الآن نحو حل القضايا النووية بتعاون وثيق أكثر مع روسيا. أما مكافحة الإرهاب فستنتقل في عهد أوباما إلى أفغانستان، حيث تتهيأ الولايات المتحدة لزيادة قوتها العسكرية هناك حتى 30 ألف فرد.
وفيما يتعلق بالاقتصاد، فإن أوباما سيواجه وضعا صعبا جدا. وبالرغم من أن البيت الأبيض يدعو الصحافيين إلى عدم محاولة المقارنة بين أيام أوباما المائة الأولى مع أيام الرئيس فرانكلين روزفلت المائة الأولى، (إنها بالذات، تمخضت عن «نهج جديد» وعن انتعاش الاقتصاد بعد الركود العظيم)، توجد رغبة عارمة لدى أوباما بكل جلاء في دخول التاريخ «بنهج جديد» ثان.
فهو يتهيأ بالمرتبة الأولى لطلب 800 مليار دولار أخرى من الكونغرس لإنعاش الاقتصاد. وهذا المبلغ إضافة إلى الـ 700 مليار دولار التي تمت الموافقة عليها من قبل الكونغرس «لمساعدة البنوك».
وأغلب الظن أن الوضع الاقتصادي سيشغل الهم الأكبر لإدارة أوباما، وعلى ما يبدو أنه ليس لدى هذه الإدارة حتى الآن خطة واضحة لمواجهة الأزمة، وسيتعين على أوباما عدم السير بشكل متسق، والقيام بخطوات إلى الوراء، وارتجالية بهلوانية. ولكن من المستبعد أن يتحقق أي شيء. ومن المؤكد أنه لن يتحقق أي شيء بسرعة.
"البيان"




















