ثمة هوس بالرئيس الاميركي المنتخب باراك أوباما يمسك بخيال القارات كلها امساكاً يضفي على الرجل سحراً خاصاً هو اقرب الى الكاريزما. والكاريزما مفهوم خاص نحته السوسيولوجي الالماني ماكس فيبر، ينسب فيه الى الزعامة قدرات خارقة، خاصة، هي تخيلات المجتمع نفسه عن زعيمه، تخيلات تمزج خوارق الاولياء بمعجزات القديسين، ببطولات القدماء. ولا يعود الشخص هو ما هوعليه، بل ما ترسمه المخيلة الجامحة.
والمولعون بهذا الهوس، شأن صانعيه، ينتظرون معجزة ما تنجيهم من شروط المحنة التي فيها يتمرغون، سيان ان كانت ازمة سياسية، او اختناقاً اقتصادياً او مواجهة عسكرية، او حتى ان كانت مأساة شخصية من فقدان بيت لبنوك الرهن، او فقدان عمل في الشركات المفلسة، او حتى سكنة مدن صفيح في العالم الثالث.
نقل لي زميل كاتب ان بعض العراقيين مثلاً يرددون»يا بوش اسمع زين… كلنا نحب أوباما حسين». هذه النكاية بالرئيس الحالي هي واحد من اسرار الكاريزما الاوبامية، الكثيرة.
لعل المنبع الأرأس للكاريزما هو الاعجاز الذي اوصل اميركيا- افريقيا (زنجيا) الى سدة الرئاسة، وهو اعجاز قال عنه مراقب انه يحطم القيود اللاأخلاقية العرقية والدينية والاثنية التي تسد دروب الحرية والمساواة.
فالعصر الرأسمالي الصناعي انطلق من الفكرة الليبرالية القائلة بمساواة البشر باطلاق، وحقهم المتماثل في الحياة والتملك وحرية الضمير.
وارست الليبرالية السياسية هذا الحق على قاعدة ان كل فرد في المجتمع هو مواطن لا رعية، وان الديمقراطية تعني ان كل مواطن هو حاكم ومحكوم.
هذا المبدأ المثالي للديمقراطية الليبرالية الذي قال به المفكرون المؤسسون، لم يكن سوى مبدأ مجرد، يخرقه التحيز الديني (الكاثوليك ضد البروتستانت)، ويخرقه التعصب العرقي (الابيض ضد الاسود والاصفر)، وتعترض عليه الارومة القومية (الاميركي ضد اللااميركي). اعجاز أوباما هو سير النظام الديمقراطي الاميركي الى الاقتراب من المفهوم المجرد للديمقراطية، الى مفهوم المصغى. وقد كان دون هذه الرحلة مشاق واهوال، من الحرب الاهلية الاميركية بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي، اي بين المجتمع المنفتح بايديولوجية الليبرالية، والمجتمع المنغلق بايديولوجية صيادي العبيد. وكان دون هذه المرحلة اهوال حركة الحقوق المدنية التي انطلقت في ستينات القرن العشرين بزعامة مارتن لوثركينغ. كاريزما صعود أوباما للرئاسة هي اذن انتصار ديمقراطية العصر الصناعي على تحيزات محتمعها هي، وانتصار المفهوم الخالص للديمقراطية على تعيناته ومحدوديته المحلية، المسربلة بالاقصاء والكراهية للون والمعتقد.
وهذا، بمعنى من المعاني، هزيمة لنا نحن الغارقين في كراهية كل ما هو ليس عربي (ان كنا عرباً اقحاح)، وبغض كل ما هو ليس بمسلم (ان كنا مسلمين احنافاً) والنفور من المخالف لنا في المذهب (ان كنا متمذهبين بلا حدود).
لعل المنبع الاخر لكاريزما أوباما هو الاعتقاد العام بان السياسات الاميركية ستنقلب رأساً على عقب 180 درجة بمجرد دخول باراك أوباما المكتب البيضاوي في القصر الابيض.
والذين يتخيلون انقلاباً كهذا انما يستخلصون احتمال (او حقيقة) التغير من لون بشرة الرئيس الجديد، ومن دين ابيه، ومن اصله القومي الكيني، ناسين ان الاقتصاد الاميركي تحكمه شركات عملاقة عابرة للقارات، وغدت عابرة للفضاء الكوني، وان السياسة الاميركية (الخارجية) تحكمها مؤسسات، وتوازن قوى، ومصالح دول متنوعة تغطي المعمورة كلها.
معروف ان الانتخابات، اية انتخابات، في العالم الصناعي الرأسمالي (اوروبا الغربية، اليابان، اميركا ولواحقها) لا تغير من الطاقم القيادي سوى 2 في المئة في اوروبا، واقل من 4 في المئة في الولايات المتحدة. وان منبع الاستمرارية او الانقطاع في سياسة اميركا يحتاج الى تغير من منبعين، من اميركا نفسها ومن العالم ايضا، اي من المؤسسات التي تحكم اقتصاد وعسكرة وسياسة العالم، حكومية كانت ام اهلية.
لقد تخطت اميركا حاجز التعصب العرقي والديني في ايديولوجية وممارسة الديمقراطية، لكنها لم تتخط بعد حواجز اللامساواة في بنية العلائق مع العالم التي تسمى: علاقات دولية. فهذه البنية ما تزال بنية غير ديمقراطية بالمرة، بنية يسود فيها الاقوى، ويملي فيها ارادته من يتوفر على الموارد الاكبر. ولعل القيود الوحيدة المفروضة على الكبار هو تعنت الصغار، وقيامهم في احسن حال، بشيء من الشغب لاثبات وجودهم، وحمل الاخرين على النظر اليهم.
وما تزال كل مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية معنا، من الامم المتحدة ومجلس الامن الحامل لقوة النقض، الى البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، بينما المطلوب مؤسسات عالمية جديدة تلجم النوازع اللاديمقراطية في علائق العالم.
اخيرا لا اجد ما يحث احداً في العالم، داخل اميركا او خارجها على تغيير نظرته الينا.
نحن نبدو عالماً بائساً يرفل في نعيم النفط، ويتمرغ في بؤس الدكتاتوريات، فاشلون في بسط حكم القانون، فشلنا في توفير حد ادنى من الحريات، بجمهوريات وراثية، ولا جمهوريات سيئة، متعصبون بلا وازع، كارهون لدولة المؤسسات، وعشاق لفوضى الميليشيات، حكومات نهابة، وشعوب مستكينة، ارض تفرخ العنف واللاقانون بلا حدود.
هكذا نبدو للعالم. ولن تبدد كاريزما أوباما هذه الصورة.
لعل اميركا تنسحب من العراق لكنها لن تتركه، ولعلها ستفتح باب الحوار الديبلوماسي مع ايران، لكنها لن تغلق الملف النووي، ولعلها تواصل حلّ الدولتين في فلسطين، لكنهالن تتخلى عن تفوق اسرائيل، ولعلها، ولعلها.
لكن ذلك كله ينتمي الى تعديل الاسلوب لا الاهداف. ولعل سحر أوباما سيرتد عليه لشدة ما يحمّله الآخرون من احلام ثقيلة.
الحياة – 23/11/0/
نشرة الرأي
كانون الأول2008 – كانون الثاني2009
العددان 82-83




















