اليوم ينتخب الإسرائيليون «كنيست» جديداً في وقت تفوح منه رائحة الدماء العربية، وتستمر مشاهد القتل والعنف ساطعة أمام العيون وفي الضمائر وفي الذاكرة.. وتبرز أكثر فأكثر، عبر الدعاية الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية، تلك الروح التنافسية في إبداء الرغبة والاستعداد لتصفية الشعب العربي الفلسطيني وإبادته.
صحيح أن إسرائيل كيان منفتح على الغرب وعلى العولمة بالمعنى الاقتصادي والتقني وعلى مستوى ثورة الاتصالات، لكن إسرائيل ذاتها كيان منغلق على ذاته بالمعنى الاثني، ويشكل هذا التناقض الحالة الوحيدة في العالم المعاصر، وهي حالة لا تجد لها أي تفسيرات ذهنية معقولة إلا وفق ما يسوّغه الإسرائيليون، ويعلنونه كتبرير لهذا التناقض من حيث أنه ضرورة، وأنه طبيعي، وأنه ظرفي ناشئ عن المخاطر التي تحدق بإسرائيل ـ حسب زعمهم ـ وهم يعتقدون أن إقامة دولة يهودية «ديمقراطية» يخلق فرصاً للسلام في المنطقة مع وجود دولة فلسطينية يمكن إدارتها عن بعد، بمعنى تغييب سيادتها وحدودها، وتهميش مبناها ومعناها.
وإقامة الدولة اليهودية بالمنطق الإسرائيلي تستلزم تهجير عرب 1948 نهائياً خارج حدود الكيان المفترض، وهذا يتطلب «وفق المنطق الإسرائيلي أيضاً» البدء بتهميش العرب سياسياً عبر إقصائهم عن الممارسة السياسية وعبر منعهم من المشاركة في الانتخابات وعبر طرد قياداتهم ورموزهم، وبمراجعة منطقية لهذا السلوك الإسرائيلي يمكننا القول: إن ذهنية «الغيتو» مازالت سائدة في المنطق الثقافي والسياسي والاجتماعي الإسرائيلي، ومازال الفكر الإقصائي يدير ويحكم مؤسسات هذا الكيان وأحزابه وقواه السياسية، وهذا الفكر الإقصائي مازال يهيمن على هواجس العقل الصهيوني بكل امتداداته ومستوياته حتى هذه اللحظة الراهنة.
وهذا ما يجعل في واقع الحال جميع الاحتمالات في المنطقة مفتوحة على التعقيد، إذ كيف يستقيم أن يثق أحد بشخص أو بقيادة أو بحزب يزعم أن السلام هدف من أهدافه في الوقت الذي يحمل برنامجه الانتخابي كل هذه الدعوات إلى القتل والإبادة، وهذا يفيد أن ثمة احتمالين إما أن هذه القيادات أو هذه الأحزاب الإسرائيلية تكذب على الناخب الإسرائيلي، أو أنها تكذب على العالم كله.
ومن البدهي أن الاحتمال الثاني هو الواقع، ذلك لأن مشاهد غزة لا زالت حاضرة، وستبقى حاضرة لتؤكد، مع كل الاعتداءات الإسرائيلية السابقة على الفلسطينيين واللبنانيين وكل العرب، أن الخطاب السياسي الإسرائيلي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار هو خطاب ثابت لم يغير حتى في مفرداته، بل لم يغير من مضامينه أو أهدافه، وهو مثير بشواهده إلى حد أننا مدعوون إلى الاستهزاء ببعض الأقلام والأصوات التي تكتب وتتحدث عن معايير واختلافات بين هذا المرشح أو ذاك من المرشحين الإسرائيليين.
وهذا ما يجعل هذه الأصوات والأقلام تتحول إلى ناخب إسرائيلي فاشل ومقيت.. على كل حال ستجري هذه الانتخابات وستظهر نتائجها وهي بالطبع ليست النتائج التي ينتظرها البعض، ونحن، هنا، لا نتحدث عمن سيشكل الحكومة ولمن ستكون الأغلبية، بل نقصد النتائج السياسية التي نؤمن ونثق أنها لن تكون أفضل من الماضي أو من الحاضر، ونذهب للاعتقاد بأنها ستبقى سيئة طالما استمرت الذهنية الإقصائية ولغة الإبادة والحرب تحكم هذا الكيان الغاصب.




















