حسان حيدر
تنفي ايران ان تكون لديها مطامع في الخليج العربي، وتقول ان بإمكان جيرانها الخليجيين الاطمئنان الى سلامة نياتها وحسن طويتها، وتؤكد ان برامج تسلحها المكثفة وسعيها الى امتلاك القدرة النووية ليست موجهة ضدهم. لكنها تثبت عكس ذلك كلما سنحت لها الفرصة، فتظهر ما تضمر، وتكشف ما تحاول التستر عليه بديبلوماسية الابتسامات والمصافحات. وكان آخر «زلات اللسان» تصريحات أطلقها مستشار مرشد الجمهورية علي أكبر ناطق نوري عن البحرين التي اعتبرها «المحافظة الرابعة عشرة»، وقال ان «نائبا كان يمثلها في مجلس الشورى الوطني»، بما يذكر بصدام حسين الذي اعتبر ايضاً الكويت «المحافظة التاسعة عشرة»، وكان ما كان، فدفع العراق والعرب جميعاً، ولا يزالون، ثمن مغامرته وخفته واستخفافه بالحقائق الجيوسياسية.
وهي ليست المرة الاولى التي يفلت فيها لسان المسؤولين الايرانيين من عقاله، فقبله ايضا كتب حسين شريعتمداري، وهو مستشار آخر لخامنئي، مقالا في صحيفة «كيهان» قال فيه ان «المطلب الأساسي للشعب البحريني حالياً إعادة هذه المحافظة التي تم فصلها عن إيران إلى الوطن الأم والأصلي، أي إيران الاسلامية، ومن بديهيات الأمور انه لا يمكن ويجب عدم التخلي عن هذا الحق المطلق لإيران والناس في هذه المحافظة».
وبالطبع فإن مسارعة مسؤولي الخارجية الايرانية والسفير الايراني في المنامة، في كل مرة، الى تأكيد ان مثل هذه التصريحات لا يعكس السياسة الفعلية لطهران ولا يقلل من اعترافها بسيادة البحرين وشرعية نظامها، لا تكفي لتبديد القلق من الموقف الايراني المتكرر ومن توقيته. وهذا القلق بالتحديد ما دفع الرئيس المصري الى القيام بزيارة تضامنية للمنامة، تلتها زيارة لملك الاردن، لتأكيد ان هذا البلد جزء من النظام العربي وليس متروكا لوحده في اي مواجهة من اي نوع كانت، وهو ما دفع المنامة ايضا الى الاحتجاج بأكثر من طريقة، بينها وقف المفاوضات مع طهران لاستيراد الغاز الطبيعي.
لكن لماذا البحرين الآن حيث يبذل الحكم جهوداً مخلصة لتحقيق الوئام الاجتماعي والسياسي، وحيث تنصب الجهود على التخفيف من آثار الازمة الاقتصادية العالمية والمحافظة على مركز البلاد المالي والمصرفي المتطور؟ هل لأن ايران تعتبر نفسها «ولي أمر» المواطنين البحرينيين الشيعة وان لها الحق في التدخل في تفاصيل شؤونهم بما يصورهم وكأنهم كيان منفصل داخل بلدهم، مكررة بذلك تجربتها مع شيعة لبنان؟ ام انها تطرح البحرين وأمنها ورقة للمساومة على خريطة النفوذ والمصالح الايرانية مع تبلور احتمال قيام حوار بينها وبين الادارة الاميركية الجديدة؟
الجواب هو بالتأكيد مزيج من الأمرين. لكن ايران هنا تقع في خطأ استراتيجي سبقها اليه صدام عندما اعتبر ان باستطاعته ملء الفراغ الناجم عن انهيار الاتحاد السوفياتي، فبدأ يرى في نفسه «قوة عظمى» تستطيع مخاطبة الاميركيين والعالم من موقع الند، ويعتبر المنطقة من حوله «فناء خلفيا» لنفوذه. وهو جنون العظمة نفسه الذي نلمسه في تصريحات الرئيس الايراني احمدي نجاد عندما يطالب الاميركيين بـ «الانسحاب من العالم» وتركه لايران!




















