اسفرت الانتخابات الاسرائيلية التي جرت في العاشر من الشهر الجاري، عن جنوح المجتمع الاسرائيلي في غالبيته نحو اليمين واليمين المتطرف واندحار اليسار، وذلك بفوز الليكود بزعامة نتنياهو بـ 27 مقعدا واسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان بـ 15 مقعدا وحزب كاديما بزعامة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني بـ 28 مقعدا، وحزب العمل بزعامة باراك وهو الخاسر الاكبر الذي انحدرت شعبيته الى ادنى مستوى بـ 13 مقعدا. اما الاحزاب الصغيرة الاخرى فلم ينل كل منها سوى بضعة مقاعد لا يتجاوز عددها اصابع اليد.
واثر المشاورات التي اجريت مع مختلف الكتل النيابية، كلف الرئيس بيريس، زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو تشكيل الحكومة الجديدة. ومن الطبيعي ان ينجح في ذلك نظرا الى تأييد اكثرية نيابية له تنسجم سياستها مع نهجه المتطرف.
والمعروف عن نتنياهو انه من الصقور، الذين يعارضون تقسيم القدس ويؤيدون التمدد الاستيطاني بحجة النمو السكاني، وخلال حملته الانتخابية اعلن رفضه التخلي عن هضبة الجولان السورية المحتلة، فضلا عن ذلك انه لا يرى اي مجال في الظرف الراهن لقيام دولة فلسطينية لانه يرى في حال انشائها ان حركة حماس ستسيطر عليها وان التعاون المتاح حاليا مع الفلسطينيين يكمن فقط في المجال الاقتصادي. وشريكه المقبل في الحكم زعيم حزب اسرائيل بيتنا يذهب ابعد من ذلك، فهو صاحب نظرية "الترانسفير" اي تهجير الفلسطينيين لانه يعتبرهم طابورا خامسا. وفي هذا الصدد يقول استاذ علم الاجتماع في الجامعة العربية بالقدس البروفسور باروخ كيرلنغ: “مما لا شك فيه ان الاسرائيليين في معظمهم، يمينيين ويساريين، صقورا او حمائم، يفضلون ان يستيقظوا ذات يوم ليكتشفوا ان الفلسطينيين قد اختفوا او تبخروا بطريقة عجيبة". وما القرار الذي اتخذته السلطات الاسرائيلية بهدم 80 منزلا فلسطينيا في القدس الشرقية الا تأكيد لاستمرارها على الاخذ بمبدأ التهجير ومضيها في سياسة التطهير العرقي وتهويد القدس وتفريغها من الفلسطينيين، واستقبال الحكومة الاسرائيلية وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون القادمة الى المنطقة مطلع آذار المقبل باصدار قرار كهذا، يعتبر تحديا للادارة الاميركية في بداية عهدها.
ازاء، المواقف المتشددة للفريق الاسرائيلي الحاكم، تبدو آفاق السلام مسدودة في المستقبل المنظور على الاقل، "علينا طرح السؤال الآتي: ما هو الدور الذي يجب ان يلعبه المجتمع الدولي وعلى الاخص الولايات المتحدة والعرب لارغام اسرائيل على السير مجددا في عملية السلام؟
لقد تعهد الرئيس الاميركي الجديد اوباما اثناء حملته الانتخابية ايجاد حل للصراع العربي – الاسرائيلي بعد اهماله طوال ثماني سنوات في عهد سلفه جورج بوش، ويبدو انه جاد للبر بهذا الالتزام، ففور تسلمه سلطاته، ارسل ممثله الشخصي السناتور جورج ميتشل الذي اوصى في تقريره عام 2001 الذي رفعه الى الرئيس كلينتون بضرورة وقف المد الاستيطاني في القدس والضفة الغربية كشرط للبدء بتسوية مقبولة للنزاع العربي – الاسرائيلي، فضلا عن ذلك فانه لعب دورا رئيسيا في تسوية المشكلة الايرلندية المعقدة وذلك بالتنسيق مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك طوني بلير الذي يمثل حاليا اللجنة الرباعية للسلام في منطقة الشرق الاوسط. وهو وميتشل يشكلان افضل ثنائي للتعاون والعمل على حل القضية الفلسطينية. وتدليلا على اهتمام الاخير بهذه القضية قرر انشاء مكتب خاص له في القدس تعبيرا عن تصميمه على الحضور الدائم وعلى المثابرة في متابعة الامور فيها عن كثب.
والعضو الآخر في فريق العمل الديبلوماسي لأوباما، هو مستشاره للأمن القومي الاميرال جيمس جونز الذي بدوره انتقد في تقرير سابق له اسرائيل لانشائها المزيد من المستوطنات واعاقتها لنمو الاقتصاد الفلسطيني.
وبما ان الدولة العبرية تعودت ازدراء القرارات الدولية، وهي لا تحترم الا لغة القوة، على الرئيس الاميركي ان يكون منذ البدء حازما ويعلن انه مع قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة تعيش الى جانب اسرائيل، وان يبذل كل الجهد لحشد الدعم الدولي لهذا التوجه ويعمل على تشجيع المعتدلين في كلا المعسكرين العربي والاسرائيلي.
وما يشجع واشنطن على السير جديا في عملية السلام، بالاضافة الى الدعم الدولي، تحقيق مصالحة سريعة بين حماس وفتح تؤدي الى قيام حكومة وحدة وطنية برئاسة محمود عباس، كي لا تتذرع تل ابيب بعدم وجود شريك فلسطيني فاعل للتفاوض معه، هذا من جهة، ووحدة الموقف العربي من جهة اخرى.
وامام الدول العربية فرصة متاحة لتوجيه رسالة واضحة الى واشنطن وتل ابيب في القمة التي ستعقد في آذار المقبل، في الدوحة والى المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الاوسط الذي تعد له موسكو والمحتمل عقده في النصف الاول من السنة الجارية، وذلك بتبنيها مجددا مبادرة الملك عبد الله للسلام التي اقرت في بيروت في آذار 2002 والتي ثبتها وزراء خارجية الدول الاسلامية في اجتماعهم في طهران في ايار 2003، وابرز بنودها:
– انسحاب اسرائيل الكامل الى خط الرابع من حزيران 1967.
– حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين استنادا الى قرار الجمعية العمومية رقم 194.
– قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع عاصمتها القدس الشرقية.
– تطبيع العلاقات العربية – الاسرائيلية واعتبار النزاع العربي – الاسرائيلي منتهيا.
وعلى رغم انهماك الادارة الاميركية بمعالجة الازمة الاقتصادية الحادة التي تواجهها والتي تعتبرها همها الاول، يمكنها في موازاة ذلك الانطلاق من الخطوط العريضة لهذه المبادرة وحث الطرفين العربي والاسرائيلي على استئناف محادثات السلام بينهما؛ ولدى هذه الادارة ملفات ووثائق مهمة عن المفاوضات السابقة والتفاصيل التي نوقشت فيها والتي يمكن الرجوع اليها وخاصة تلك التي جرت في عهد الرئيس كلينتون وكادت ان تؤدي الى حل نهائي لازمة الشرق الاوسط.
لن تكون مهمة الادارة الاميركية الجديدة سهلة مع الحكومة الاسرائيلية العتيدة، ولكن اذا كانت واشنطن جادة في سعيها الى ايجاد تسوية متوازنة لهذه الازمة التي يعتبر حلها مفتاح الاستقرار في المنطقة والمدخل الجدي للحد من موجة الارهاب والتطرف فيها، فعليها ان تلعب بصدقية تامة دور الحكم العادل بين الطرفين، علما انها تعرف جيدا ما لديها من امكانات ووسائل في مختلف المجالات لارغام اسرائيل ايا يكن الائتلاف الحاكم فيها، من الصقور او الحمائم، على القبول بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
فحرصا على سمعتها وتجميل صورتها البشعة، وحفاظا على مصالحها في العالم ولا سيما في الدول العربية والاسلامية، على هذه الادارة، تطبيقا لشعار التغيير الذي اعتمده رئيسها اوباما اثناء حملته الانتخابية، ان تنذر الدولة العبرية بانه لم يعد في استطاعتها الاستمرار في دعمها اللامحدود لها عسكريا وديبلوماسيا وماديا، فهي على سبيل التعداد لا الحصر، من انقذها في حرب رمضان عام 1973 عندما اقامت جسرا جويا لمدها بالرجال والعتاد لتمكينها من صد الهجوم المصري السوري، وهي من حماها ديبلوماسيا عندما استعملت 41 مرة حتى الآن حقها في النقض منعا لادانتها في مجلس الامن، وهي من يوفر لاقتصادها المنهار بلايين الدولارات سنويا، وباختصار لولا الولايات المتحدة لما تمكنت هذه الدولة الغريبة التي زرعت في منطقة لا تمت اليها بأي صلة، من الصمود والبقاء.
ان امام اسرائيل الآن، مع بدء ولاية الرئيس اوباما، فرصة جديدة للعيش بسلام واستقرار جنبا الى جنب مع جيرانها العرب. لقد راهنت منذ انشائها على القوة العسكرية لفرض الاستسلام على العرب والقبول بشروطها، غير ان سياستها العدوانية لم تحقق لشعبها لا الأمن ولا الطمأنينة. فهي لم تربح الحرب ولا السلم. فالاسرائيليون في قلق دائم على مصيرهم ومستقبلهم، وهذا ما دفع الكثيرين منهم في السنوات الاخيرة الى مغادرتها. فضلا عن ذلك فان احدى وكالات الاحصاء الموثوق بها ذكرت ان عدد اليهود في اسرائيل في 2020 يقدر بستة ملايين ونصف مليون بينما عدد العرب فيها وفي الاراضي المحتلة سيبلغ ثمانية ملايين ونصف مليون. اضف الى ذلك ان قدرات العرب في مختلف المجالات ستتضاعف مع مرور الزمن وسيزداد الفارق بينهما وبين امكانات اسرائيل اتساعا.
لقد قال العاهل السعودي الملك عبد الله في قمة الكويت اخيرا، ان مبادرته العربية التي اعتمدها العرب والمذكورة آنفا، "لن تبقى مطروحة على الطاولة الى الابد". لقد وصل الفلسطينيون والعرب في تنازلاتهم الى المستوى الادنى من مطالبهم؛ فالفلسطينيون يناضلون الآن لاقامة دولتهم المستقلة على 22 في المئة فقط من مساحة كامل فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني. وبعض قادتهم ومفكريهم باتوا يرون جديا ان عامل الوقت في مصلحتهم فلا جدوى الآن من المضي قدما في عملية السلام.
ان امام اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة خيارين لا ثالث لهما. اما الانخراط في عملية السلام بنيات صادقة واقتراحات متوازنة تؤدي الى حل عادل وشامل لصراعها مع العرب، واما المضي في شن الحروب وارتكاب الجرائم والمجازر الارهابية وستكون هي الخاسر الاكبر. فهل يجاري الرئيس اوباما اسرائيل في سياستها العدوانية كما درج عليه اسلافه، ام يتحلى بالشجاعة ويجرؤ على تحديها ويتخذ موقفا متوازنا في معالجته للصراع العربي – الاسرائيلي، ويفرض عليها تجاوبا مع الارادة الدولية القبول بالدولة الفلسطينية المستقلة، فيعم السلام الذي طال انتظاره الاراضي المقدسة ويحل الامن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط.
"النهار"




















