الحياة – 27/02/09//
دبي حديث المنطقة العربية هذه الايام، بصفتها بوصلة للأدوار وللأحلام وللأخطاء في زمن الأزمة الاقتصادية العالمية وترابط الاقتصاد بالسياسة. الحديث الآخر المهم الذي يبرز في أوساط النخبة العربية يتطرق الى ضرورة التمعن في ما ستفرزه أولوية الاقتصاد لدى إدارة باراك أوباما على السياسات الاميركية نحو منطقة الشرق الأوسط. بعض الناس ما زال يقبع في زاوية الانتصار كأن الحلول للأزمات المستعصية هي في جيب أوباما، لكن هذه اقلية. الأكثرية تفكر وتدعو الى التفكير التجددي في تطورات اليوم، الاقتصادية والسياسية والقانونية والقضائية، لا سيما انه بعد يومين، بتاريخ 1 آذار (مارس) ستنطلق أول محكمة دولية خاصة بدولة عربية في لاهاي في خطوة سابقة لإنهاء الإفلات من العقاب على الاغتيالات السياسية. كما بتاريخ 4 آذار ستصدر المحكمة الجنائية الدولية قراراً ينتظر أن يدين الرئيس السوداني عمر البشير ويدعم اصدار مذكرة توقيف بحقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب في دارفور.
الجديد هو في تفادي القفز الى استنتاجات مسبقة وفي استدراك مساوئ الافتراض الخاطئ لمجرد تراجع الأمور الى اسوأ، واقعياً أو في المخيلة. والجديد هو الجرأة على الاعتراف بالاخطاء والاقرار بما يتطلب تفاديها. كل هذا لا يحدث بوفرة في المنطقة العربية، لكنه يحدث.
دبي بدأت تخرج من أزمتها الاقتصادية، وكذلك تلك المتعلقة بسمعتها وصيتها. هذا لم يحدث بين ليلة وضحاها، ولم يحدث بلا كلفة ودروس صعبة، حدث لأن إمارة أبوظبي جاءت الى انقاذ إمارة دبي من الورطة المالية بشرائها 10 بلايين دولار من سندات دبي لضخ المال الضروري، والأرجح ان أبوظبي ستشتري السندات الأخرى المتبقية ايضاً بقيمة 10 بلايين دولار في وقت أقرب من سنتين مهما اتخذت دبي من اجراءات لتقليم طموحاتها في البناء وردم البحار وغير ذلك. وحتى ان كانت هيئات أو أطراف أو منظمات غير تلك التي في أبوظبي ستشتري تلك السندات، فإن ابوظبي كانت البادئة في إعادة الثقة بدبي، ولولا تدخلها لما عادت الجرأة الى الآخرين الذين ارادوا اخراج دبي من محنتها واستعادة الايمان بها.
بالطبع لقد دفعت دبي ثمناً سياسياً لأزمتها الاقتصادية. أبوظبي قالت عملياً في انتشالها دبي من الأزمة: أنا العاصمة. أنا الممول. وأنا الأخ الأكبر. ودبي تستحق التقدير واللياقة والأناقة، فهذه مدينة لا مثيل لها في التجربة العربية. انها رائدة وخلاّقة على رغم ما يمكن ان يقال عن بعض العشوائية في تخطيطها وبعض الغرور في تقويم مواردها وكفاءاتها. فكثيرون من الذين دهشوا من وطأة الأزمة المالية على دبي قرروا ان تجربة دبي تواجه صعوبات، انما الأكثر هم الذين شعروا بالحزن العميق وتذكروا فضل دبي وتمسكوا بحلمها.
فادي غندور، مؤسس شركة «ارامكس» والمدير التنفيذي لهذه الشركة الكبرى التي يندرج اسمها في سوق دبي المالية وتأخذ من العاصمة الاردنية عمان مركزاً لها بقي على ثقته العميقة بدبي. يقول: «من يظن ان دبي انتهت وانها عابرة سبيل في الموقع الاستراتيجي من العولمة انما رؤيته قصيرة المدى ولا يفهم العمق الاستراتيجي لما بُني في دبي وأهمية دبي لأسواق الشرق الأوسط».
كم سيستغرق تعافي دبي مسألة قد يفهمها الاقتصاديون ورجال الأعمال، انما المهم اليوم ان كبار رجال الأعمال وصغارهم يقولون: لنفكر. لقد مرت عاصفة خطيرة اسفرت عن خسائر كبرى، انما بعد العاصفة، لنمسح الغبار، ولنفكر ملياً بمعنى دبي.
دبي بحسب كثير من رجال الأعمال العرب الذين رافقوا رحلة هذه الإمارة هي مدينة المستقبل في العالم العربي. فيها البنية التحتية لتكون نقطة الانطلاق الاقتصادي الى جيرتها الواسعة ولتخدم الاسواق الاساسية ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، وانما ايضاً ايران وباكستان والهند وجمهوريات آسيا الوسطى وكذلك افريقيا حيث ان دبي اصبحت نقطة انطلاق للتجارة مع هذه القارة.
ما يراهن عليه العالمون بالبنية التحتية في دبي هو حتمية استئناف دبي حيويتها كعاصمة اعمال «وعندما يحصل التعافي العالمي من الأزمة الاقتصادية، فإن دبي هي المدينة، لا غير، فلن يكون في الإمكان نسخ طبعة عن هذه المدينة» كما يقول غندور.
من يحكم، من يملك؟ هذه أمور لا تهم المستثمرين الذين يوجدون في دبي لأنها مركز الأعمال العالمي. المشكلة، حسب عدد من رجال الأعمال والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم ليست في القوانين التي بدأت تكتسب الكثير من الوضوح، وانما المشكلة هي في افتقاد الشفافية الضرورية في كيفية اجراء الاعمال. كثيرون ينتقدون عدم الافصاح عن واقع حال الإمارة من الأزمة المالية. وعدم مخاطبة أهل المدينة أدى الى الكثير من الاشاعات السلبية، وبالتالي الى فقدان الثقة وترك أثر سيئ على ما يسمى بـ «ماركة دبي» اي تسويق سمعة دبي التي استغرقت الامارة الأعوام العديدة في الاستثمار فيها.
كذلك، كانت للمغامرة في بعض المشاريع حصتها في ضرب سمعة دبي واقتصادها. فلا حاجة للمشاريع الأكبر والأوسع والأعلى والأعمق. ثم ان الأزمة في دبي كشفت نقصاً في الكوادر والقدرات المحلية. صحيح ان هناك حفنة من القيادات العليا بالغة الذكاء والقدرة، إنما الجيل الثاني تدحرج بسرعة وانكشف النقص الكبير. كثر الكلام عن قيادة صدمتها الأزمة بدلاً من إبداء القيادة عند الأزمة. وعلى رغم كل ذلك، هناك فوائد من الأزمة، بحسب كثيرين من أبناء دبي.
المضاربون بدأوا ينحسرون وبدأ تنظيف دبي من الافراط بالطمع وابتزاز الفرص الذي جاء مع هؤلاء المضاربين. وبالتالي، توضحت صورة مَن هم اللاعبون الجديون الذين يقدّرون تجربة دبي ويعتبرون أنفسهم جزءاً منها ولها فضل عليهم.
أيضاً، وبعد الهبوط من البرج العاجي المصطنع وارتفاع الاسعار والمعيشة بصورة باهظة، هبطت كلفة القيام بالأعمال في دبي إلى حجمها الطبيعي. فدبي جهزت نفسها لتكون مركز الخدمات والبنية التحتية لكامل جيرتها، إلى جانب طموحاتها بأن تكون مركزاً مالياً أساسياً.
هذا لا يعني أن توقعات العالم من دبي، السياسية منها والاقتصادية، ستخسر بتعافي الإمارة من الأزمة لتعود المياه إلى مجاريها، بل العكس. التنظيف، بالتأكيد، يجب أن يستمر ويتوسع كي تتخذ سمعة دبي منحى يبعدها عن أقاويل غسل الأموال أو المثول كبنية تحتية لدول وهيئات تخضع للعقوبات تتفادى العقوبات وتتحايل عليها. فعندما يأتي اليوم الذي يريد فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما تشديد العقوبات على إيران، سيدقق في دور دبي في كسر حلقة العقوبات بتجارتها مع إيران.
المنطقة بكاملها تتدارس ما قد يحدث. بعض القيادات الفكرية والنخبوية الاقتصادية – السياسية يطرح على طاولة التحاور لغة جديدة ويتحدى الفكر التقليدي الذي فصل بين الاقتصاد والسياسة. بعض هذه القيادات يعتقد أن لا دور على الاطلاق في عالم المال بالأرقام الخيالية للدول العربية كلها وعدم خضوعها للمديونية. وهؤلاء يتحدثون عن الصين وحدها في موقع القيادة العالمية والاستفراد بالقدرة على «شراء» الولايات المتحدة. لكن البعض الآخر يجيب بـ «لا» حازمة، ويرى دوراً مميزاً من الشراكة الدولية للدول العربية إذا أحسنت توظيف الفرص المتاحة على أسس استراتيجية مدروسة وجريئة وواعية. لربما تكون المملكة العربية السعودية وحدها المؤهلة لتسلم موقع القيادة في مثل هذه التطلعات إذا رافق ذلك الاصلاح الداخلي الضروري انطلاقاً من أن الجميع يستفيد من مثل هذه القيادة في زمن عولمة الأزمة الاقتصادية.
المنطقة العربية في حاجة إلى التفكير التجددي، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً ورؤيوياً. وما يحدث هذا الأسبوع بالذات إنما هو دليل على الجديد وكيفية التعاطي التجددي معه قياساً مع السياق القديم. وكمثال، عندما تنطلق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمقاضاة الضالعين في العملية الإرهابية التي أودت بحياة رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ورفاقه والمتورطين في الاغتيالات السياسية الأخرى التي يثبت التحقيق ترابطها مع اغتيال الحريري، سيكون ذلك يوماً تاريخياً في حياة المنطقة العربية.
سترتفع اصوات واشاعات وتكهنات بمصير المحكمة وستتعاظم التوقعات والمخاوف من الاحباط إذا أفلت المجرمون من العدالة. كل هذا ليس وقته. يوم الأحد المقبل هو يوم احتفاء بولادة جديدة في المنطقة العربية. فمهما طالت المحكمة أو مهما اسفر عنها، لا مجال للصفقات السياسية مكافأة للاغتيالات السياسية لشراء الاستقرار.
السودان وضع مختلف، لأن أهله لم يستوعبوا بعد أبعاد ما سيحدث بعد صدور مذكرة التوقيف بحق رئيسهم الذي كابر على العدالة وظن أن السياسة أذكى من العدالة، وأن لغة المصالح تنتصر على لغة المحاسبة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما في دارفور. محاكمة إسرائيل على تجاوزاتها قد تأتي بسرعة أكثر إذا توقفت المنطقة العربية عن تأجيل العدالة بحق نفسها إلى حين انزال العدالة بإسرائيل. فلو تلتحق الدول العربية طرفاً بالمحكمة الجنائية سيساعدها ذلك مستقبلاً على فضح الممارسات الإسرائيلية ومحاكمتها.




















