لم تستطع الحركة الوطنية الفلسطينية سدّ الفراغ القيادي الذي تركه الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كان قائد "فتح" ورئيسا للسلطة والمنظمة، بل إن هذه الحركة وجدت نفسها في حال من الاختلاف والتنازع والانقسام، لاسيما بين قيادتين وشرعيتين ومشروعين ("فتح" و"حماس").
وما يفاقم من هذا الوضع، أي الفراغ القيادي، عوامل عدة، لعل أهمها:
1- واقع حركة "فتح" ذاتها، التي تبدو في حال مريعة من الضياع والفوضى والترهّل؛ وقد بيّنت الانتخابات التشريعية (2006) وبعدها هيمنة حركة "حماس" على قطاع غزة (2007)، تآكل مكانة هذه الحركة، وضعف قدرتها على مواجهة التحديات المطروحة. وبديهي أن حركة في مثل هذا الوضع يصعب مطالبتها، أو المراهنة عليها، في انتشال الساحة الفلسطينية من مآزقها، وسدّ الفراغ القيادي فيها.
طبعا لا نقصد من ذلك التبشير بانتهاء دور "فتح"، بل على العكس، فهذه الحركة الوطنية الوسطية، هي أكثر حركة تشبه شعبها، لذا ثمة حاجة ضرورية لها، شرط تجديدها بناها، وتطويرها رؤاها السياسية، واستعادتها روحها النضالية، وطبيعتها كحركة تعددية متنوعة.
2- تعثّر قيام كيان فلسطيني في الضفة والقطاع، أولا، بسبب سياسات إسرائيل، المتمثلة بزعزعة مؤسسات هذا الكيان، وتقطيع أوصاله بالمستوطنات والجدار الفاصل، وإضعافها السلطة. وثانيا، بسبب طريقة إدارة السلطة ذاتها لهذا الكيان، الذي تعاملت معه كأنه كيان منجز. وقد تمثّل ذلك بتفكيك العلاقة مع المشروع التحرري المتعلق بإنهاء الواقع الاستعماري في الأرض المحتلة، وبالتورط في التنسيق مع إسرائيل في المجالات الأمنية والاقتصادية، وتعميق اعتماد هذا الكيان على المعونات الخارجية؛ لاسيما مع تضخم جهاز الموظفين، في نظام يستند إلى المحسوبية والزبائنية والأجهزة الأمنية. وثالثا، بسبب الانقسام الحاصل في الكيان الفلسطيني بين الضفة وغزة؛ وهذا تتحمل المسؤولية الأساسية عنه حركة "حماس".
3- ضعف مكانة منظمة التحرير في العمل الفلسطيني، فهذه المنظمة لم تعد قادرة على القيام بالوظائف المنوطة بها، كحاضن للفصائل الوطنية، وككيان سياسي موحد للفلسطينيين، في كل أماكن تواجدهم. وإذا كانت حركة "حماس" (ومعها فصائل المعارضة) تتحمل بعض المسؤولية عن ذلك، فإن "فتح" بالذات (ومنذ عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات) تتحمّل المسؤولية الأساسية عن تهميش هذه المنظمة وتآكل دورها، لمصلحة كيان السلطة؛ والنتيجة خسارة المنظمة والتعثّر في بناء السلطة.
يستنتج من ذلك أن ثمة انهيارا في الدعائم التي قامت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ونظامها السياسي، ما يتطلب حثّ التفكير بالبدائل، بعيدا عن الابتزازات السياسية، والتحيزات المسبقة، والعصبيات الفصائلية الضيقة.
في هذا الإطار ثمة تفكير بأن "حماس" ربما هي أكثر قدرة على طرح نفسها كبديل قيادي ممكن للفلسطينيين، كونها حصلت على "الشرعية الثورية" بالمقاومة، وعلى الشرعية التمثيلية بالانتخابات، وعمّدت دورها في القيادة بإدارتها لقطاع غزة منذ صيف العام 2007، وبتصديها للحرب الإسرائيلية على القطاع اخيرا.
لكن مشكلة "حماس"، أن الشرعية الفلسطينية ليست كافية وحدها، بالنظر الى ضعف التطور الكياني للشعب الفلسطيني، وبحكم البعد العربي للقضية الفلسطينية، وهذا ما أكدته التجربة التاريخية. وما يفاقم ذلك، على صعيد القبول الدولي بها، احتساب حركة "حماس" على تيار الإسلام السياسي، وغلبة البعد الديني على الوطني في خطاباتها. وفوق كل ما تقدم فإن الساحة الفلسطينية لم تَدِنْ بالقيادة لحركة "حماس" تماما، فثمة حركة "فتح" التي تنازعها الشعبية والشرعية؛ وهو وضع لم تعانِ منه حركة "فتح"، لدى تسلمها سدة القيادة أواخر ستينيات القرن الماضي.
وبالنسبة الى إعادة تفعيل أو بناء منظمة التحرير، وبغض النظر عن التوظيفات السياسية والفصائلية، فإن هذا الحديث ليس له أي معنى، ولا يبدو جادا، خصوصا ان "حماس" لم تكن معنية بهذه المنظمة، وأن حركة "فتح" همشتها لمصلحة السلطة، وأن المعطيات العربية والدولية، التي سهّلت قيامها وتعاطت معها سابقا، لم تعد كذلك.
وبصراحة فإن جميع الأطراف (فلسطينيا وعربيا ودوليا) تبدو معنية بكيان السلطة، أكثر بكثير من كيان المنظمة، كل لأسبابه ومشاريعه، فالسلطة كيان متعين، بجغرافيا وبشر ومصالح، في حين أن المنظمة هي كيان سياسي معنوي، من دون أن يقلل ذلك من أهميتها؛ بل إن الصراع على المنظمة يبدو بمثابة صراع على كيان السلطة، على الأغلب.
هكذا، إذا كان يتعذّر إعادة الاعتبار للمنظمة، فلا يجوز صرف النظر عنها، أو تهميشها، وإنما المطلوب إعادة صوغ دورها في العملية الوطنية، أولا، بتأكيد دورها السياسي كحاضن لمشاركة الفلسطينيين في مناطق اللجوء والشتات في العملية الوطنية الفلسطينية. وثانيا، باعتبارها صلة الوصل بين فلسطينيي الخارج وفلسطينيي الداخل وكيانهم السياسي. وثالثا، بتعزيز دورها في مجال الحفاظ على الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية والدفاع عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.
ومعنى ذلك أن المطلوب، في الواقع الحالي، وبدلا من تهميش المنظمة، خلق نوع من التكامل بين كياني المنظمة والسلطة، بحيث لا يطغى احدهما على الأخر، وأيضا ترسيخ مكانة المنظمة وتفعيل مؤسساتها في تجمعات اللاجئين في مناطق اللجوء.
أما بالنسبة للسلطة، فإن قيام إسرائيل بكل ما من شأنه ترسيخ الواقع الاستعماري في الأراضي المحتلة، وتحويل المفاوضات إلى دوامة لانهاية لها، وسدّ الأفق أمام خيار الدولة المستقلة، بات يفترض وضع حد للمفاوضات العبثية والمضرة والمجحفة، وإنهاء الوظيفة التفاوضية للسلطة، لمصلحة تكريس دورها في إدارة الوضع الفلسطيني في الداخل، بالارتباط بمشروع دحر الاحتلال.
طبعا لا أحد ينتظر من السلطة أن تعلن الحرب، أو المقاومة المسلحة، ولكن من الممكن لها أن تطلق مشروعا سياسيا صراعيا، يشكل غطاء لمختلف أشكال المقاومة الشعبية ضد الاحتلال. فما الذي يمنع الفلسطينيين من وضع إسرائيل (بالنظر الى تعنتها) أمام معادلة مختلفة، من نوع الاختيار بين التحول إلى دولة ثنائية القومية بحكم الأمر الواقع (وهو حاصل الآن)، مع تبعات ذلك عليها، لجهة تقويض طابعها كدولة يهودية، وفضح وضعها كدولة استعمارية عنصرية، أو تحولها إلى دولة ثنائية القومية بحكم القانون والدستور، أي وفق مسارات القبول والتفاهم المتبادل؟ ثم ألا يشكل ذلك مخرجا للفلسطينيين، على تبايناتهم، من حال الاختلاف والانقسام، من حول مشروع التسوية، بعد وقف المفاوضات، و"فتح" مجال الصراع مع إسرائيل، ومختلف تجلياتها، على كامل أرض فلسطين التاريخية؟
وبالنسبة الى مسألة القيادة، فاذا كان يصح القول بأن ماكان لن يكون، فإن الوضع القيادي الذي كان يحتله ياسر عرفات، من موقعه كزعيم للشعب الفلسطيني، وليس من كونه مجرد قائد لفصيل أو رئيس للمنظمة أو للسلطة، فإن هذا ما عاد بالإمكان تكراره، كما أن عهد هيمنة فصيل بعينه، مهما كان، لم تعد صالحة، ولا ممكنة، بسبب التعادل في المكانة والشعبية بين "فتح" و"حماس" (وهذا ما أكدته القوة التصويتية للطرفين في الانتخابات التشريعية بغض النظر عن نتائجها).
على ذلك ربما إن تجاوز هذه المشكلة يكمن في ابتداع نوع من التشارك في القيادة بين "فتح" و"حماس" (وغيرهما)، لاسيما أن الزمن الذي كانت تتحكم به حركة واحدة انتهى، وآن الأوان لصوغ معادلة أخرى للقيادة، تتمثل بإيجاد قاعدة مؤسسية تشاركية، ترتكز على العلاقات الديموقراطية والتعددية السياسية والتمثيل النسبي.
من هذا الكلام يمكن الاستنتاج بأن حل المعضلة القيادية في المنظمة والسلطة تتمثل، أولا، بنوع من التشارك، لا الهيمنة، بين "فتح" و"حماس"، وغيرهما من الفصائل، وفق قواعد التمثيل النسبي. وثانيا، عبر الانتهاء من الازدواجية في موقعي رئيس السلطة والمنظمة، وفك الارتباط السلبي في علاقة السلطة بالمنظمة. وثالثا، بوقف المفاوضات والانفتاح على خيارات وطنية مغايرة، بديلة أو موازية، للمشروع الوطني الفلسطيني. ورابعا، باستنهاض وضع "فتح"، التي تشكل بغض النظر عن دورها القيادي، عمود التوازن في الحركة الوطنية الفلسطينية.
هكذا، فإذا كان من غير الممكن استنهاض الساحة الفلسطينية من دون استنهاض "فتح"، على صعيد البنية والرؤية والدور، فإن هذا الوضع يتطلب حل معضلة القيادة في هذه الحركة، لاسيما بعد أن تقادمت لجنتها المركزية، وتآكل دورها، ودبت فيها الشيخوخة، الجسدية والمعنوية.
ولما اصبح مركز العمل الفلسطيني في الأراضي المحتلة، لأسباب ذاتية وموضوعية، أهمها وجود كتلة كبيرة من المجتمع الفلسطيني، في نطاق إقليم جغرافي محدد، ضمن علاقات سياسية واقتصادية واحدة، ولا تخضع لمداخلات عربية، فإن تنظيم حركة "فتح" داخل الأرض المحتلة هو الذي يتحمل مسؤولية تخليق قيادة فتحاوية جديدة.
وهنا يمكن القول بأن مروان البرغوثي، المعتقل لدى إسرائيل منذ حوالى ستة أعوام، هو الشخصية الأكثر مناسبة لحمل مسؤولية القيادة في "فتح". فهذا الرجل استطاع أن يكتسب شرعية جماهيرية، وحركية، وهو يتمتع بصدقية نضالية، وبكاريزما قيادية، تؤهله لاحتلال الموقع الأول في حركة "فتح"، أكثر بكثير من غيره، من داخل اللجنة المركزية وخارجها. لذلك فمن المستغرب أن لا تتركز الجهود على تحرير مروان البرغوثي من الأسر، وأن لا تتعزّز مكانته القيادية بشكل رسمي، حتى وهو في الأسر، في إطار "فتح" والحركة الوطنية الفلسطينية.
(كاتب فلسطيني)
"النهار"




















