المستقبل –
لقد توّج حدث الوحدة بين مصر وسوريا 22 شباط من عام 1958 سلسلة من حلقات التقارب بين مصر وسوريا، في خضم النضال المشترك ضد سياسات الأحلاف، بدأ البلدان في عام 1955 بتوقيعهما اتفاقية الدفاع المشترك، ثم وضعا في برامجهما لعام 1956إقامة الاتحاد بينهما،غير أن النظر في مشروع الوحدة أجُّل بسبب العدوان الثلاثي، الذي خرج منه عبد الناصر زعيماً، بدون منازع لكل العرب، حيث أيقظت صرخته "أرفع رأسك يا أخي" القاع الشعبي من المحيط إلى الخليج . فقد تجمّع أكثر من مئة ألف متظاهر في دمشق في الرابع عشر من آب 1956، يهتفون: شعب واحد علم واحد وطن واحد، وفي أيلول 1957 وقعت الحكومتان اتفاقية الوحدة الاقتصادية، إلى أن وصل المد الجماهيري ذروته عام 1957 بحيث لم يعد أحد من النخب السياسية قادراً على إظهار تردده أمام خيار وحدة البلدين، وصف رودنسون المشهد بقوله: "كان هناك جيشان على جميع الصعد، يذكرنا بالفترات الثورية الكبرى، التي أيقنت فيها الجماهير الواسعة، أن تطلعاتها التي أُغفلت مدة طويلة، قد اكتسبت شرعيتها دفعة واحدة بفضل زعماء جدد حملوا إلى السلطة، بواسطتها أو بدونها فاندفعوا وراءهم، ودفعتهم معها دفعة واحدة".
فأُعلن عن قيام الجمهورية المتحدة في 22 شباط 1958 الذي حوله السوريون والمصريون إلى عرس حقيقي، شاركهم فيه العرب جميعاً، فقد خُيل لهم أنهم بدأوا بصنع مستقبلهم بأنفسهم، وأن وحدتهم انتقلت من الدائرة الضيقة لحذلقة المثقفين إلى حقيقة ملموسة أمامهم، وأن بإمكان العرب أن يصبحوا مركزاً في هذا العالم، فكان لولادة الجمهورية العربية المتحدة أثر فاعل هزّ ركود الحياة السياسية، اندفع فيها الإنسان العادي، إلى قلب الأحداث الكبرى، وراء زعامة عبد الناصر، ودولة الوحدة، التي تحولت إلى فيصل توزعت بدلالة الخطوط السياسية العربية. فتداعت اليمن للاتحاد مع الدولة الوليدة، وبدأ الاضطراب الكبير يقتحم أسوار الدولة(القطرية)، فانفجر الوضع في العراق في 14 تموز، أي بعد خمسة أشهر من قيام الجمهورية المتحدة، فخرجت الجماهير في بغداد،تحمل صور الرئيس عبد الناصر، وتطالب بالانضمام للجمهورية العربية المتحدة، ولم يطمئن الغرب إلاّ بعد تراجع احتمال انضمام العراق إلى الوحدة، برجحان كفة عبد الكريم قاسم على الفريق الوحدوي في السلطة، فقد توافق نهج قاسم، مع ما يريده الغرب من تطويق لدولة الوحدة تمهيداً لضربها، ولم يكن السوفيات بعيدين عن هذا النهج، فهم وإن ساندوا السياسة الاستقلالية، والتنموية لعبد الناصر، إلاّ أنهم أظهروا عداءهم للتوجه الوحدوي، فهم لم يرغبوا في قيام مركز عربي ـ إسلامي قريباً من جمهورياتهم الإسلامية الجنوبية.
كانت الوحدة حدثا تاريخياً فتح الطريق لاحتمال وحدة العرب، الاّ إنها بقدر ما جذبت إلى جانبها من الجمهور العربي،استنفرت الخصومة، فلم يخاصمها الغرب والشرق فحسب، بل استنفرت الأنظمة المحافظة بلهجة زعامتها الراديكالية، وتهديدها الكيانات العربية بالذوبان، كما ناصبها العداء عبد الكريم قاسم، ووراءه الشيوعيون العرب، وعندما قام الانفصال في 28 أيلول 1961، دعمه هؤلاء جميعاً ، غير أن تأثير هؤلاء لم يقد إلى الانفصال، لولا نقاط الضعف الداخلية للحكم، الذي أعلى من شأن البيروقراطية والأجهزة على حساب الديمقراطية والمشاركة، وعلى الرغم من ذلك ،فقد واجهت أكثرية الشعب السوري الانفصال بالرفض،حين ميّزت بنباهة بين المطالبة بإصلاح النظام و إدارة الحكم، وبين تمزيق الكيان الوطني، واجترحت لنفسها قيادات جديدة، أدارت صراعه مع الانفصال الذي بدأ بالتفكك منذ أيامه الأولى.
لقد أرغمت الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات العنيفة، على تفجير الحالة في قمة المؤسسة العسكرية نفسها. فبموازاة ما كان يجري في الشارع، والجامعة، والمدرسة، من احتجاج شعبي ومطالبة بالعودة إلى الجمهورية المتحدة، تعددت الانقلابات العسكرية لاحتواء الوضع، أو لملاقاة الشارع، ويكفي أن نذكر أن قسماً من الضباط الانفصاليين ذهبوا إلى عبد الناصر وهم يبكون ندماً على ما فعلوه، ثم قاموا بانقلاب بقيادة النحلاوي بحجة استعادة الوحدة، ولم ينجح الانقلاب لانعدام الثقة بالنحلاوي.
ثم قامت،ما سمّاه السوريون ثورة حلب في 1 نيسان 1962، حيث أمسك عسكريو حامية حلب بالإذاعة ودعوا للعودة إلى الجمهورية العربية المتحدة، وفي 7 تموز 1962، قام إضراب عمالي شامل تمهيداً لضرب الانفصال، استخدمت السلطات القوة لإفشاله. وعندما تقوّض الحكم الانفصالي في 8 آذار،خرج الشارع الشعبي يهتف بصوت واحد: بدنا الوحدة باكر، باكر، مع الأسمر عبد الناصر،غير أن القادة الجدد، بعد سيطرتهم على السلطة وتحويلها إلى نظام الحزب الواحد،لم يستعيدوا الوحدة أو الإتحاد، بل وضعوا سورية في مواجهة مصر الناصرية مابين 1963و1970،أي حتى وفاة عبد الناصر،مرسّخين بذلك (الإنفصال) تحت يافطة :الوحدة والحرية والإشتراكية،فخسر الشعب السوري الوحدة ومعها الحرية.
نستذكر، 22 شباط هذه الأيام، والعرب في أسوأ أوضاعهم، التي عنوانها التمزق، والبغض، وتفرد "إسرائيل" بالشعب الفلسطيني، فما أحوجهم اليوم لتجديد روح 22 شباط، لا لكي يعيدوا صيغة الوحدة السابقة، فنحن نعرف أن هذا غدا شبه مستحيل، على ضوء ترسّخ الدولة القطرية، وارتباط مصالح النخب بها وتبلور خصوصياتها، وتراجع فكرة الوحدة الإنقلابية _الإندماجية التي يقودها العسكر (التقدميون) لحساب صيغة جديدة تعاقدية دستورية، فبإمكانهم اليوم ومن واجبهم إعادة ترتيب بيتهم العربي، عبر التضامن، وتقوية مؤسسات الجامعة العربية، وتفعيلها خاصة في ما يتعلق بالسوق العربية المشتركة، لتكون الوعاء المناسب لترجمة الفكرة العربية، فإذا كان من المتعذر علينا استعادة لحظة 22 شباط، فعلينا، على الأقل، أن نرتفع إلى مستوى الأوروبيين في سعيهم نحو الوحدة الأوروبية، لكي يكون لنا رأس في هذا العالم!




















