زهير قصيباتي
لأن لبنان في قلب «عاصفة» التغييرات الإقليمية والدولية، المتسارعة على إيقاع الاندفاعة الديبلوماسية لإدارة الرئيس باراك أوباما، بديهي أن تتبدل الأدوار والأدوات بما يلائم هذا الإيقاع، وأن تحذو الأطراف المحلية حذو اللاعبين في المنطقة، في تفادي القراءة الخاطئة لتلك الديبلوماسية، ومحاولة استثمارها الى الحدود القصوى. كل ذلك على قاعدة كره الإدارة الديموقراطية في واشنطن لإرث العداء الذي تركه جورج بوش حيال الذين كانوا خصوماً لنهجه، وإرث الريبة لدى الأصدقاء من أهدافه «الخفية» والمعلنة.
بدل العصا بلا جزرة، فتحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كيلنتون «الصفحة الجديدة»، من أجل تخفيف وطأة ذاك الإرث. وإن كان أحد في المنطقة لا تزعجه مبدئياً استراتيجية هيلاري لـ «زيادة الشركاء وخفض عدد الأعداء»، فالحال ان الخفض ذاته يثير قلق قوى اقليمية، خصوصاً المتحالفة مديداً، خشية استفراد بعضها، إذا نجح قطار «الانفتاح» الأميركي في تفكيك ما يسمى جبهة الممانعة.
وواضح أن انفتاح إدارة أوباما على دمشق، إذ يوجه اليها رسالة بضرورة معالجة هواجس واشنطن، يعترف للمرة الأولى علناً بأن لدى سورية أيضاً ما «يقلقها» من السياسة الأميركية، أو المحطات النهائية لقطار الانفتاح، وثمن حجز مقعد، لتبادل أكلاف التسويات.
لا يتناقض ذلك مع إعلان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى بالوكالة السفير جيفري فيلتمان، قبل انتقاله من بيروت الى دمشق، أن «لبنان القوي السيد والديموقراطي» هو «أحد أبرز المصالح الأميركية في المنطقة»… ليبدد أولاً هواجس في هذا البلد من «مساومة» ما، تراعي مقتضيات أي تعاون سوري – أميركي محتمل، على حسابه، وربما أيضاً على حساب فريقي 14 آذار و8 آذار.
ويقال 8 آذار، لأن سكة «الانفتاح» على دمشق قد تكون أيسر من سكة الحوار مع طهران التي لها ما لها من نفوذ وصلات معروفة بهذا الفريق. يتزامن ذلك مع حال الانفراج في العلاقات السعودية – السورية، ومع مزيد من التأزم في العلاقات الإيرانية – العربية، ليغلّب حظوظ تعريب القرار السياسي العربي مجدداً، الأمر الذي لا بد أن ينعكس مزيداً من الانفراجات والتهدئة في لبنان، وتوقع انتخابات نيابية هادئة نسبياً.
ليس بلا دلالة أن يزور فيلتمان والمسؤول عن الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي دانيال شابيرو، دمشق من لبنان، الأول صاحب الخبرة في أزمات هذا البلد منذ كان سفيراً في بيروت، والثاني لأن المحادثات مع الجانب السوري تتناول ملفات إقليمية. واختيار فيلتمان ليكون في أول وفد أميركي يفتح نافذة حوار مع سورية، في عهد إدارة أوباما، أقوى مؤشر الى عدم استعداد واشنطن لتقديم تنازلات تمس «لبنان القوي» الذي «يقرر اللبنانيون وحدهم مصيره». فليس سراً أن جيفري ما كان إلا ليثير استياء الجانب السوري الذي اعتبره «محرضاً» لفريق 14 آذار بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وإن كان بعضهم في لبنان يعتبر اختيار فيلتمان أن يكون أول لقاءاته في بيروت مع زعيم «تيار المستقبل» النائب سعد الحريري، رسالة تطمين للأخير ولـ «14 آذار» حيال سكة الانفتاح على دمشق، وعدم تخلي إدارة أوباما عن تقوية مؤسسات الدولة، فالسفير الأميركي استبق المحادثات مع الجانب السوري بالحديث عن تكتيكات وأفكار جديدة، ستتطلب بعض الوقت لبلورتها، والأهم انه استبعد معادلة «الحوار = الجائزة» في الملف اللبناني على الأقل.
إذاً، أول «الثوابت» الأميركية المعلنة، بعدما باتت المحكمة الدولية واقعاً قانونياً خارج التداول السياسي، أن «لبنان للبنانيين»، بمن فيهم الموالاة والمعارضة، 14 آذار و8 آذار وعلى رأسه «حزب الله» وإن لم يقلها فيلتمان. وفيما تنفتح واشنطن على دمشق، تختار لندن السكة ذاتها مع الحزب لتشجيع «انخراطه في السياسة»، لكن أحداً لا يصدق أن القرار البريطاني جاء مصادفة عشية زيارة الوفد الأميركي للبنان وسورية، ومن دون تنسيق أو ربما «توزيع أدوار» مع الولايات المتحدة. يستحضر ذلك مجدداً طروحات تفكيك «جبهة الممانعة» بإغراء الحوار للاحتواء، لا بعصا الترهيب والتهديد التي أثمرت فشلاً ذريعاً، ولم تقوِ مؤسسات الدولة في لبنان كما لم تضعف حلفاء دمشق.
وطالما أن السياسة لا تعرف تحالفات أبدية، وأن إدارة الديموقراطيين في الولايات المتحدة تندفع سريعاً على جبهات الحوار مع «الخصوم»، الأهم توقع تبدلات سريعة لبنانياً، وإن أبعدت نتائج الانتخابات النيابية المقبلة كأس الخسارة المرّة عن 14 آذار والتي اعتبرها زعيم «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط «ليست نهاية العالم».
ضمان الانتخابات الهادئة، لا بد انه بين المحاور الرئيسة لمحادثات فيلتمان – شابيرو في دمشق، فيما يستلزم استكمال تطبيق القرار 1701 والذي يصرّ عليه السفير، حسم ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. فهل تسعى واشنطن الى جعل هذا الملف، أول اختبار لثمار نهج الحوار مع سورية… قبل الانتخابات اللبنانية، بينما ترعى لندن اختبار «تكييف حزب الله»، في زمن التحولات؟




















