وسام سعادة
شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً نوعيّاً من قبل الفريق "غير المسيحيّ" في 8 آذار ضدّ الفريق "المسيحيّ" في 14 آذار. بدأت الحملة بعبارات أطلقها ضابط خارج من سجنه، ثم توالت السلسلة. جمعت الحملة بين الطابع الشخصانيّ الصرف، وبين التعرّض لمجمل الخيارات الكبرى التي اتخذتها أكثريّة من المسيحيين خلال أعوام الحرب الأهلية وعلى امتداد سني الوصاية.
وبدلاً من أن يعتبر الفريق "المسيحيّ" في 8 آذار، وبشكل أساسيّ زعيمه العماد ميشال عون، أنّه معنيّ بالدفاع بشكل أو بآخر عن الخيارات التاريخية الكبرى للموارنة والمسيحيين، إذ به يزيّن لنفسه أن النظرية التي يصدّرها إليه حلفاؤه في 8 آذار هي التي تنفعه.
تتلخّص هذه النظريّة في أن المسيحيين كانوا غارقين بين ضلال وتيه، إلى أن جاء العماد عون فنقلهم من حال إلى حال، وأقنعهم بأنّ خير ضمانة يعطيها لهم هو تبرّعهم بحماية "المقاومة الإسلاميّة" أي "حزب الله"، وأنّ أهمّ ما تمثّله "المقاومة الإسلاميّة" بالنسبة إليهم، أنّها حامية لهم. تحميهم ضدّ من؟ ضد المسلمين الآخرين، وضدّ المسيحيين الآخرين.
وفقاً لهذه النظريّة: تطوّعت الزعامة العونيّة عام 2006 لحماية ظهر "حزب الله" أثناء العدوان الإسرائيليّ. وفي المقابل، تطوّع "حزب الله" للتدخل في بيروت وبعض الجبل بغية تأمين جملة أشياء من بينها القانون الإنتخابي الذي كان العماد ميشال عون من دعاته. أقل ما يقال عند المقابلة بين الأمرين: انّه تبادل غير متكافئ.
فكيف تكون هذه استراتيجية إنتخابيّة معقولة لفريق 8 آذار في الوسط المسيحيّ؟ هل تعود على العماد عون بالنفع أو بالضرر؟ هو لم يتأخّر في طرح السؤال على نفسه، وكان جوابه الإنضمام إلى هذه الحملة التي بدأها الفريق "غير المسيحيّ" في 8 آذار ضدّ الفريق "المسيحيّ" في 14 آذار.
هنا بدأت تتضّح معالم المخطّط التي تحاول أن ترسمه القيادة الأمنية العليا لفريق 8 آذار: الفريق "غير المسيحيّ" في معسكر الموالين لإيران وسوريا صعّد كلاميّاً وبشكل نوعيّ ضد مسيحيي 14 آذار، ما اضطرّ الفريق "المسيحيّ" في معسكر الموالين لإيران وسوريا إلى التصعيد بدوره، اقتناعاً منه بأن تصعيد حليفه الموالي لإيران ضد أخصامه المسيحيين يمكن أن يضرّه بالغ الضرّر، إن لم يسارع هو ويطبع هذا التصعيد بلونه هو، وغضبه هو.
فما يحصل على هذا الصعيد هو "التعشيق" بين "حربي إلغاء" بقصد رفع "حرب الإلغاء الثالثة" كشعار سرّي لخوض الانتخابات وما بعدها.
"حرب الإلغاء الأولى" كانت تلك التي خاضها العماد عون ضدّ "القوات اللبنانيّة" عام 1990 وأدّت إلى تدمير المجتمع المسيحيّ وإلى تمكين الإجتياح السوريّ لمناطق المتنين وإلى هجرة كثيفة للمسيحيين في السنوات الأولى التالية للحرب وإلى ضعف موقعهم في "الجمهورية الثانية".
أما "حرب الإلغاء الثانيّة" فكانت تلك التي خاضتها شبكة النظام الأمنيّ المعاونة لنظام الوصاية ضدّ "القوات اللبنانية" عام 1994 وأدّت إلى حظر الحزب واعتقال قائده، وهو ما ارتدّ لاحقاً على لبنان بجناحيه المسلم والمسيحي، لأن الشبكة الأمنية المتآمرة على "القوات اللبنانية" ما لبثت أن تسلّمت حكم البلد عام 1998 وخرّبت فيه ما خرّبت.
اليوم ثمة من يلوّح بأن "الإلغاء الثالث" هو الإسم الحركيّ لـ"الجمهوريّة الثالثة"، وأنّ هذا "الإلغاء الثالث" يمكنه، إذا ما تبنّاه العماد عون كدعاية انتخابية، أن يسهم في انقاذ وضعه نهار الأحد المقبل.
مع ذلك فإن الأصيل لا يمكن أن يتخفّى كثيراً أمام الوكيل. "الإلغاء الثالث" حملة أطلقها الفريق "غير المسيحيّ" في 8 آذار قبل أن يلحقه إليها الجناح المسيحيّ من حركة الموالاة لسوريا وايران. "الإلغاء الثالث" يعود فيضيء حقيقة لا بد من إعادة تظهيرها بكل وضوح عشية الإنتخابات: التناقض الأساسيّ لـ"حزب الله" ليس من نوع مذهبي بل من نوع طائفيّ. التناقض الأساسيّ هو بين الخيارات التي يطرحها "حزب الله" من جهة وبين الإجتماع المسيحي من جهة ثانية. وأيّاً تكن التناقضات الثانوية داخل الإجتماع المسيحيّ، فإن التصويت على أساس الحفاظ على مرتكزات تاريخية وخصوصيات ثقافية له أن يفرض نفسه، مثلما له أن يفرض نفسه التصويت على أساس صون الثنائية الإسلامية المسيحية القائمة على عقد المناصفة الثاني وعقد الإستقلال الثاني. الأكثر رجحاناً أن "حرب الإلغاء الثالثة" سترتد بشكل عكسي على "الماكينة الأمنية" التي توغّلت حيث ما لها أن تتوغّل إلا حبّاً وسلماً ودخولاً للبيوت من أبوابها.




















