المستقبل –
بعد ستة وعشرين عاماً من الكفاح المسلح ضد حكومة كولومبو سقط كل شيء، انتهت تجربة نمور التاميل في سريلانكا نهاية دراماتيكية بسقوط معاقلهم ومقتل قائدهم وكبار مساعديه بيد قوات الجيش السريلانكي، ولكننا لا ندري هل بقي لدى الأقلية التاميلية (الهندوسية) في الجزيرة من يعيد الكرة في مصاولة الدولة والدعوة إلى الانفصال عنها من جديد أم لا؟
يلفت النظر في تجربة التمرد التاميلي الذي امتد أكثر من ربع قرن، أن نهايته كانت أسرع من المدى التاريخي الذي شغلته التجربة، أي أن جدلية المحو ومقاومة المحو التي تقع بين السعي المضاد للخصم والممانعة الذاتية، لم يكن متوقعاً أن تصل ـ خلال حملة عسكرية واحدة ـ إلى نهايتها بهذه السرعة الكبيرة لتجربة انفصالية ظلت تلح على الاستقلال عن الدولة الأم طوال هذه الفترة، وكانت تتصدر أنباؤها نشرات الأخبار في العالم من حين إلى آخر.
لقد حمت "الجغرافيا الطبيعية" لسريلانكا التجربة الانفصالية للنمور بعض الوقت، ولكنها لم تستطع حمايتها طوال الوقت، وذلك لأن الغابات الكثيفة أعانتهم إلى مدى معين على اتباع أسلوب الكر والفر في مواجهة الدولة واصطياد جنودها ورموزها الكبيرة، والتي لم يُستثنَ منها حتى رئيس الدولة وكبار وزرائه ومسؤوليه، ففي عام 1993 اغتال نمور التاميل الرئيس السريلانكي بريماداسا، وفي عام 2005 جاء اغتيالهم المدوّي لوزير الخارجية التاميلي المسيحي لاكشمان كاديرجامار.
هذا عن الجغرافيا الطبيعية لسريلانكا ووقوفها في صفوف التاميل إلى حين، إلا أن "الطبيعة الجغرافية" للدولة التي لا تعدو أن تكون جزيرة صغيرة ألقتها الأقدار في هذا الموضع النائي من العالم، يسرت أمام الدولة وسائل المواجهة معهم، وحصرتهم في رقعة محدودة شمال الجزيرة وشرقها، وإن احتاج الأمر من الحكومة إلى جهد استخباراتي مكثف وطويل ـ خصوصاً بالاستعانة بأنصار الحكومة من التاميليين ـ لفهم جغرافية التنقل والتحرك التي كان يتبعها المتمردون في هجومهم ورجوعهم، مما حد من عمل الجغرافية الطبيعية في صفوف الأقلية الساعية إلى الانفصال.
لكن ثمة عاملاً آخر ذاتياً كان له تأثيره الحاسم في فقدان تجربة النمور القدرة على الاستمرار في مشروعهم الانفصالي عن كولومبو إلى نهايته "السعيدة"، ويتمثل هذا العامل في المهارة العالية والقدرة الفائقة لزعيم التاميل فيلوبيلاي برابهاكاران على استعداء أصدقائه الفعليين والمحتملين على السواء أو التخلص منهم.
فعلى الرغم من وقوف رئيسة وزراء الهند الراحلة أنديرا غاندي وراء إنشاء حركة التاميل وتدعيمها لها سياسياً وعسكرياً، ومساندة الحكومات الهندية المتتابعة لحقوق التاميل في داخل سريلانكا، فقد شارك زعيم التاميل بقوة في إفساد الحياة السياسية للجارة الكبيرة بالضلوع في قتل راجيف غاندي الذي خلف أمه في قيادة الهند.
ومن جهة أخرى تخلص برابهاكاران من جميع معارضيه من التاميليين بالاغتيال والتصفية الجسدية، خصوصاً زعماءهم الذين قبلوا الجلوس مع حكومة كولومبو للبحث في إجراء مصالحات تحت إشراف الهند في عهد راجيف غاندي، وبالمثل قام بتصفية حلفائه من المسلمين، وطرد أكثر من مليون مسلم من ديارهم في الشمال في عملية تصفية عرقية مؤلمة أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
ومثل هذه الشخصية يصدق عليها وصف أنه "عدو نفسه"، فهو بتصرفاته غير المحسوبة يجرد نفسه من مكامن القوة، ويكثر من أعدائه، ويزرع الأرض من تحت قدميه بالألغام، ويجعل القوة ـ لا الفكرة الوطنية ولا المحبة الإنسانية ـ أساس الربط بين أفراد جماعته، مما حوله من قيادة وطنية إلى رئيس عصابة، وحولهم من جماعة ثورية إلى جمعية اغتيالات لا حق لها في الدفاع عن حقوق وطنية مستباحة.
نعم، تبدو مشكلة الأقليات الدينية والعرقية من أعقد المشكلات في كيان الدولة الحديثة، ويبدو في نظر بعض المحللين أنه يكفي لعلاج تلك المعضلة أن تطبق قوانين محايدة في المجتمعات ذات الانتماء المتعدد حتى يرضى الجميع، ولكن قد لا يبدو أننا نصيب المِفْصل الحقيقي للمشكلة بمثل هذه الحلول.
وأهم من ذلك أنه ليس المهم بالنسبة للأقلية هو أن يكون نظام الحكم ملكياً أو جمهورياً أو حتى ثيوقراطياً، ولكن المهم هو موقعها في هذا النظام، وهي مسألة تحدد الأساس الأخطر لتحويل الأقليات إلى قوى فاعلة في الجسم الوطني تعزف معه في اتجاه واحد.
وفي الرجوع إلى المثال السريلانكي نرى أن الأكثرية السنهالية يقع عليها جانب كبير من المسؤولية عن تمرد التاميل على الحكومة المركزية وسلوكهم هذا الطريق الوعر الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من الناس غير مئات الآلاف من المشردين، وعطل التنمية في البلاد زمناً طويلاً، وذلك بسبب تفرقة الأغلبية بين القوميات والأديان، وتوجيه جانب كبير من الاضطهاد إلى المسلمين والتاميل على السواء.
إن حل معضلة الأقليات بألوانها المختلفة يتلخص في أمرين رئيسيين:
الأول: منح الحرية بالتساوي لكل أبناء الوطن الواحد.
الثاني: تبني الدولة لمشروع وطني يشارك فيه الجميع بتحمل مسؤوليته وجني ثماره على السواء.
إن الأقلية لا تنفصل عن جسم الوطن الذي تنتمي إليه إلا إذا شعرت بالغربة في وطنها، أو إذا أغراها طرف خارجي بثمرة أكبر مما تجنيه من حال التوافق مع الأكثرية.




















