المستقبل –
بنيامين نتنياهو اتخذ أمس قرارا لا رجعة عنه. فمن أجل خدمة دولته غادر البيت الايديولوجي لأبيه. القرار بمغادرة بيت الاب جاء بعد عذابات شديدة. فعلى مدى عشرة ايام قلّب رئيس الحكومة مرارا وتكرارا صفحات النص الذي يعيد تعريف نفسه. ولكن في نهاية المطاف قام نتنياهو بالأمر الصحيح. فهو لم يتلعثم ولم يتردد بل وضع في مركز الحلبة السياسية سبع كلمات لا بد منها: دولة فلسطينية منزوعة السلاح الى جانب دولة اسرائيل اليهودية.
لغة الخطابة المستخدمة في خطاب بار ايلان كانت لغة يمين الوسط. الخلاصة السياسية للخطاب كانت خلاصة على يسار الوسط. ولكن في حقيقة الامر رسالة نتنياهو أمس كانت رسالة وحدة.
نتنياهو، الذي اعتُبر في الماضي كمن يشق عصا اسرائيل، كان أمس موحدا لاسرائيل. فقد وضع على الطاولة صيغة سياسية واضحة، واقعية ودقيقة تعبر عن وجهة نظر الاغلبية الاسرائيلية. كلا، نتنياهو لم ينتقل من الليكود الى ميرتس، ولكنه وضع أمس البنية التحتية الفكرية للانفجار السياسي التالي. فقد سحب البساط من تحت أقدام تسيبي لفني وأصبح خليفة اريئيل شارون. من بار ايلان فلاحقا نتنياهو هو الوسط. رئيس الحكومة هو الان رئيس حكومة وحدة تحاول تقليص الاحتلال من دون ان تضعضع أمن اسرائيل.
الخطوة الجديدة لنتنياهو خطيرة. اذا فقد اليمين من دون أن يحظى باليسار وبأوباما، فمن شأنه ان يحطم رأسه. ولكن لهذا السبب بالذات يُعتبر خطاب بار ايلان خطابا شجاعا. نتنياهو يعي جيدا المخاطر المحدقة به، ولكن في اللحظة المقررة ـ قبل بضعة ايام ـ قال للمقربين القلقين بانه سيقوم بالفعل الصحيح حتى لو سقط نتيجة لذلك. في تلك اللحظة أثبت بانه ليس رجل سياسة بل رجل دولة. أثبت انه وصل الى النضج والرشد. وفي نهاية المخاض الطويل جلب ابن تسيون نتنياهو الى العالم حقيقته الداخلية.
الحقيقة الجديدة لنتنياهو ليست حقيقة حركة " السلام الان". ايران لا تزال التهديد الوجودي الاكبر. دولة فلسطينية مسلحة هي ايضا تهديد. ففي أساس النزاع تقف مسألة عدم اعتراف الفلسطينيين بالتاريخ اليهودي، بالسيادة اليهودية وبحق الشعب اليهودي في دولة في أرض اسرائيل. ولكن هذه الحقيقة القاسية لم تعد تترجم إلى اصرار على اراضي الضفة والمستوطنات. فهي تترجم الى مبدأين لا يمكن الجدال في اخلاقيتهما: الاعتراف بالدولة اليهودية وتجريد الدولة الفلسطينية من السلاح. هذان المبدآن موضوعان الان على بوابة البيت الابيض. اذا رفض اوباما قبولهما سنعرف جميعنا باننا نقف امام رئيس أميركي لم يعد ملتزما بوجود دولة اسرائيل. ولكن اذا قبل اوباما المبدأين ومنح اسرائيل ضمانات دولية للسلام. فانه سيكون زعيم سلام حقيقياً. زعيم يشق الطريق لحل صحيح ومستقر لدولتين قوميتين: يهودية وفلسطينية.
("هآرتس" 15/6/2009




















