طبعت اختلافات عميقة في وجهات النظر حول الدولة الفلسطينية والمستوطنات الإسرائيلية، وفي شكل خاص السياسة حيال إيران، قمة أوباما – نتنياهو الأخيرة. غير أن هذه الخلافات في الآراء، إلى جانب استحالة أن تؤدّي إلى نزاع بين الجانبَين – وهو أمر غير وارد في الأصل لأن التحالف الأميركي-الإسرائيلي هو جزء لا يتجزأ من وجود إسرائيل في ذاتها – لا تضع دولتين في حالة مواجهة في ما بينهما. بل هي تعبّر عن مقاربتين سياسيتين تتجاوزان الانقسام الوطني، ولكل منهما مؤيّدون في البلدَين على التوالي: يؤيّد جزء كبير من الرأي العام الأميركي سياسة نتنياهو، وتتمتّع سياسة أوباما بالشعبية أيضاً في إسرائيل.
من الواضح أن الاختلاف الأهم في الرأي الذي يحدّد كل الاختلافات الأخرى، يتعلّق بالموقف حيال إيران. وهو يضع من ينضمّون في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى نتنياهو للمطالبة باستخدام القوة من أجل منع إيران من مواصلة برنامجها النووي، في مقابل من يؤيّدون في البلدين الرئيس الأميركي في دعوته إلى الردع عن طريق الديبلوماسية.
يعتبر مؤيّدو اللجوء إلى القوة لدى الجانبَين الإسرائيلي والأميركي أنه من شأن إيران، في حال حصولها على السلاح النووي، أن تُخضِع بسهولة الشرق الأوسط بكامله لوصايتها المفروضة بحكم الأمر الواقع: من شأن جزء كبير من موارد الخليج الفارسي النفطية والغازية والمالية أن يضاف إلى الموارد الضخمة التي تملكها إيران. وهكذا سوف يمتد النفوذ الإيراني إلى العراق حيث كانت النتيجة الأساسية لإطاحة صدام حسين وفرض الاحتلال الأميركي تسلّم الشيعة المقرّبين من إيران مقاليد السلطة. في المقابل، كان اجتياح صدام للكويت عام 1990 أمراً بسيطاً، ومع ذلك استدعى شن حرب من ائتلاف من 34 دولة بقيادة الولايات المتحدة. لا شك في أن البلدان العربية المجاورة التي يحكمها الملوك والمتقدّمون في السن سوف تكون عاجزة في مواجهة إيران التي تعززت قوتها إلى هذه الدرجة ومن شأن نفوذها أن يمتد حتى البحر المتوسط من خلال سوريا و"حزب الله" و"حماس". من هنا فكرة تدخّل عسكري منسَّق بين إسرائيل والولايات المتحدة.
في مقابل هذا الطرح، يرفع مؤيّدو الديبلوماسية حجة المنطق المستند إلى حقيقة بديهية: ليست المشكلة في امتلاك إيران القنبلة بل في إتقانها التكنولوجيا التي تسمح لها بإنتاجها. يمكننا أن ندمّر بواسطة القوة العسكرية المنشآت النووية الإيرانية، مع أن انتشارها على مساحة واسعة جداً يجعلها مهمة محفوفة بالمخاطر، لكن ما السبيل لتجريد المهندسين الإيرانيين من المعارف التي اكتسبوها في المجال النووي؟ هل من سبيل غير الاحتلال العسكري للبلاد لمنعهم من إعادة بناء ما دُمِّر؟ هل تملك إسرائيل الوسائل اللازمة؟ هل من المنطقي أن يُعوَّل على الولايات المتحدة للقيام بذلك في الوقت الذي تسعى فيه إلى الانسحاب من العراق للالتزام في أفغانستان؟
تفترض تسوية الأزمة النووية الإيرانية الذهاب أبعد من الموضوع النووي في ذاته، والوقوف عند الدوافع التي تقف خلفه. إنه تعبير عن طموح وطني لا يمكن كبحه بعمل عسكري من شأنه أن يؤدّي على العكس تماماً إلى تأجيجه. فخلافاً للعالم العربي، تتميّز إيران بتعلّق سكانها على مر الأجيال بالمفهوم الوطني: إنها دولة-أمة حيث يشدّ الخطر الخارجي الأواصر بين العناصر المختلفة في مجتمع متجانس توحّده لغة خاصة به والانتماء إلى عقيدة دينية تعتنقها الغالبية الساحقة من الشعب. وفي هذه النقطة بالذات، تتميّز إيران بنيوياً عن العالم العربي المجاور لها حيث الدولة-الأمة هي مفهوم حديث وهش: فالشعوب العربية الموزَّعة في طوائف دينية متعدّدة: مسلمة سنية ومسلمة شيعية ومسيحية، تنجذب وراء أشكال أخرى من التضامن مختلفة عن التضامن الوطني، وأبرزها التضامن المذهبي. هنا تشتد الانقسامات المذهبية حدة عندما يظهر الخطر الخارجي الذي يفكّك النسيج الاجتماعي بدلاً من توحيده كما يحصل في إيران. بعبارة أخرى، لا يمكن قصف أصفهان أو ناتانز حيث يبدو أنه يوجد عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي النووية الإيرانية، بالسهولة نفسها التي تُقصَف بها غزة وجنوب لبنان.
إذاً ليس التدخل العسكري ضد إيران خياراً متاحاً، وجل ما يفعله التهديد باللجوء إليه هو ترسيخ المتطرفين أكثر فأكثر في السلطة في طهران، وتالياً في القدس. هذا التهديد مفيد لهم انتخابياً ولبعض الوقت، لكن ثمة خطر بأن يجعل من الصعب مقاومة العبور إلى الفعل الذي يحمل نتيجة غير أكيدة على أقل تقدير، لا بل انتحارية. من هنا يفضّل الرئيس الأميركي التحرّك الديبلوماسي. إنه السبيل الأكثر موثوقية لتعزيز المجموعات الإيرانية المعتدلة التي يستطيع أن يعمل معها تدريجاً، على الرغم من نتائج الانتخابات الإيرانية الأخيرة، من أجل إرساء علاقات الولايات المتحدة مع إيران على أسس جديدة. يفتح الانسحاب المقبل للقوات الأميركية من العراق وتوسيع معالجة المسألة الأفغانية لتشمل روسيا وباكستان وبلداناً أخرى في المنطقة إلى جانب إيران، آفاقاً جديدة أمام الرئيس الأميركي تلتقي فيها المصالح الأميركية والإيرانية بدلاً من أن تتضارب.
في هذا التصوّر الموسّع، يمكن أن تكون مشكلة النووي الإيراني موضوع تسوية عن طريق التفاوض سوف تعود بانعكاسات إيجابية واضحة على الاتحاد الأوروبي. ويتعلق أحد هذه الانعكاسات، من بين انعكاسات أخرى كثيرة، بإمدادات الطاقة. من شأن أوروبا الحريصة على أمن إمداداتها أن تجد في الغاز الإيراني الذي يمر عبر خط أنابيب نابوكو الذي يجري العمل على بنائه حالياً ويربط أوروبا بمنطقة بحر قزوين عبر الالتفاف حول روسيا لجهة الجنوب، مكمِّلاً قيّماً للغاز الروسي. وعبر تنويع مصادر التموين، تتحرر من الابتزاز الذي مارسته روسيا في موضوع الغاز مرتين في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ولا سيما خلال الأزمة الأوكرانية. أما إيران فسوف تنفتح أمامها السوق الأوروبية الضخمة التي ستزيد احتياجاتها من الغاز 125 مليار متر مكعب بحلول سنة 2020.
يبدو أن الولايات المتحدة تنوي من الآن فصاعداً مقاربة مستقبل علاقات العالم الغربي مع إيران انطلاقاً من هذه الذهنية لا من ذهنية المغامرة العسكرية.
(•) نص قُدّم في ندوة نظمتها الكلية العسكرية في باريس في 13 حزيران، بمشاركة وزير الدفاع الفرنسي هرفي مورين ووزير الشؤون الأوروبية برونو لومير وقائد هيئة الأركان، الجنرال جان-لويس جورجولان. ترجمت النص عن الفرنسية نسرين ناضر.
(وزير العدل اللبناني السابق )
"النهار"




















