منذ سنوات، والمواطنون السوريون يطالبون بقانون مدني للأحوال الشخصية يتماشى مع العصر؛ ويعمل على صهر مكونات المجتمع السوري، وتكريس الهوية المواطنية كهوية أساس. وبالفعل يتوق السوريون والسوريات لقانون مدني يساوي فيما بينهم في قضايا الأسرة والزواج والطلاق والإرث بغض النظر عن الجنس (ذكر كان أم أنثى) وعن الدين أو المذهب.
ولكن فوجئ المجتمع السوري، بمشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، أعدته لجنة مكلفة من رئيس مجلس الوزراء، عملت على صياغته لمدة عامين في الغرف المغلقة، ولا أحد يعرف ممن تتألف هذه اللجنة، ومن استشارت من الجهات المعنية ومن هيئات المجتمع الأهلي. ومنذ اللحظة الأولى لقراءة مسودة المشروع، يتبين أن الذين صاغوه، في لغتهم وفكرهم وعقلهم وإنسانيتهم وفي نظرتهم إلى الآخر، يعيشون في ماضٍ سحيق، ويريدون تهجير كل مواطنيهم إلى هذا الماضي.
إن كل ما قيل ويقال عن السلطنة العثمانية، فهي أرحم وأكثر تقدماً في (قانون الملل) الذي كان سائداً فيها من صاغةِ مسودة هذا القانون الجديد للأحوال الشخصية لكي تستقبل به سورية القرن الواحد والعشرين. فنصوص المسودة مخالفة نصا وروحاً لكل الدساتير السورية منذ أول دستور في عام 1928 . وكذلك مخالفة لكل المواثيق والعهود الدولية وشرائع حقوق الإنسان.
فيما يتعلق بلغة المسودة، فهي ليست معاصرة على الإطلاق، فلا تستخدم مفهوم المواطن ولا مفهوم الزوج والزوجة، ولم تجد أفضل من (الواطئ) و(الموطوءة) لتعبر عنهما، ويبدو أن صيَّاغ المسودة قد نسوا تماماً اللغة العربية، التي يعني فيها مفهوم (الزوج )المرأة أوالرجل، وقد نسوأ أيضاً أن (الحب) فعل مشاركة وليس فاعلاً ومفعولاً بها. وفي سياق اللغة أيضاً، تعود مسودة المشروع إلى استخدام مفاهيم منسية منذ حقب طويلة: (الذمي) و(الذمية).هذان المفهومان ارتبطا بصدر الإسلام وعهود الفتح وعقود الصلح والذمة والجزية والمشاركة في الحرب والدفاع. ولكن في سورية منذ عام 1920 وحتى في زمن الدولة العثمانية، كل سكان الولايات بما فيها المسيحيون كانوا يذهبون للخدمة في الجيش، وهذا معروف في حكايات(السفر برلك) وحرب البلغار وحرب الترعة. وإذا ذهبنا في عمق التاريخ أكثر، ففي حروب الفرنجة/ الحروب الصليبية، كان يحارب غير المسلمين إلى جانب المسلمين (كتاب الاعتبار/اسامة ابن المنقذ/ أمير شيزر) وفي القرن العشرين الخدمة الإلزامية يقوم بأدائها كل المواطنين السوريين باستثناء اليهود لأسباب تتعلق بقيام الكيان الصهيوني.
أما ما يتعلق بمضمون مسودة المشروع فهي:
1- تكرس وترسخ تعدد الزوجات، في الوقت الذي تتطلب الحياة المعاصرة والظروف الاقتصادية والتكاثر السكاني الحد من هذه المسألة. والأغرب من كل ذلك أنه يقر هذا التعدد في الطوائف المسيحية في الوقت الذي يتعارض هذا مع معتقدهم ودينهم.
2- تضع اللجنة نفسها وكيلاً عن الطوائف المسيحية والموسوية والدرزية وبغياب ممثلي هذه الطوائف عن المساهمة في اللجنة، وهذا تدخل فاضح وتجاوز لقوانين ارتضتها هذه الطوائف لنفسها، ومصادق عليها ومقرة من السلطة التشريعية وفيها مراسيم جمهورية. ومثل هذا التد خل لا يخدم الاندماج المجتمعي ولا الوحدة الوطنية.
3- يحد مشروع القانون من حركة المرأة ونشاطها إلى حد سجنها في منزلها، فلايحق لها السفر إلا بإذن الزوج أو ولي أمرها، ولا الخروج من المنزل إلا بإذنه وإلا اعتبرت ناشزاً. فهنالك عودة لعصر الحريم والإماء.
4- في العصر الذي نعيش، ومع نزول المرأة إلى العمل والوظيفة والدراسة والمناصب العليا لم يعد مقبولاً بقاء المرأة لفترة طويلة في بيتها على أثر تفريق أووفاة زوجها، في الوقت الذي صار الطب الحديث قادراً وبدقة على تعيين نسب الوليد. وكذلك حان الوقت لأن يكون القانون مرناً وعقلانيا فيما يتعلق بفرض العدة على إمرأة قطعت سن اليأس.
5- أيضاً تكرس مسودة المشروع التمييز ضد المرأة باعتبارها نصف شاهد. وهذا تناقض صارخ مع الواقع ومع سمة العصر. ففي سوريا يوجد الآن عدد كبير من القضاة النساء، ويمكن أن يصلن إلى محاكم الاستئناف والتمييز، وكذلك لدينا نائبة لرئيس الجمهورية ووزيرات واستاذات جامعيات وضابطات في الجيش والشرطة، ولكن حين يصل الأمر إلى الشهادة فهي نصف شاهد!!!!
6- وكذلك في سياق مسألة الشهادة، تؤسس مسودة المشروع لتمييز بين المسلم وغير المسلم ،حينما تقول في المادة38 : يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين مسلمين، أو رجل وامرأتين مسلمين، أو كتابيين في زواج المسلم بالكتابية حين الضرورة، عاقلين بالغين، سامعين الإيجاب والقبول، فاهمين المقصود بهما. ولكن الأمر يزداد غرابة حينما تقول هذه المادة في فقرتها الثالثة: تجوز شهادة الذمي إذا كانت الزوجة كتابية حين الضرورة، ولكن لايثبت الزواج إذا جحده الزوج المسلم، ويثبت إذا جحدته الكتابية. وهذا ليس تمييزاً بين المواطنين فحسب، وإنما مخالفاً للدستور وكل القوانين.
7- تحاول وثيقة المشروع إحياء نظام (الحسبة)، في سورية حينما تقترح إنشاء نيابة خاصة للأحوال الشخصية بغير الأموال. وهذا يذكرنا بالدعوة التي أقيمت على الكاتب الإسلامي نصر حامد أبوزيد وأدت إلى تطليقه من زوجته وبدون علمها وموافقتها، وفي الواقع هذه المسألة أخطر ما في الوثيقة، وهنا المشروع يلغي شرط المصلحة لقبول الدعوة و يعني الدخول في دعاوي وكلاء حق(الله) على أي شخص قرروا تكفيره.
إن مشروع القانون من ألفه إلى يائه رجعة للوراء ألف خطوة وخطوة..
في معظم دول العالم الآن، أصبحت عقود الزواج فيها مدنية، تجري ببساطة متناهية في قاعات مخصصة للزواج في بلديات المدن والبلدات والقرى والأحياء، ويقيم مراسم هذه العقود رئيس البلدية أو من ينوب عنه، ويسلم الزوجين دفتر العائلة، ثم يمضي العروسان في حال سبيلهما. وبعد هذا العقد المدني الذي يعتبرالأساس أمام دوائر الدولة الرسمية، يمكن للزوجين أن يقيما زواجاً دينياً إذا كانا يرغبان في ذلك، فهذا حق لهما ولا تمنعهما الدولة من ممارسة هذا الحق، ويمكنهما أن يذهبا إلى أي شيخ أو رجل دين أو أية كنيسة. وقانون الأحوال الشخصية مرتبطة مفاعيله القانونية بعقد الزواج المدني باعتباره مواطناً.
ربما مثل هذا الزواج المدني لم تتوفر له المقدمات السياسية والاجتماعية في سورية بعد، ولكن هذا لا يمنع من تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي لتلافي ثغراته الكبرى. وفي هذا القانون هناك مسائل أساسية تنتظر حلها، ومن أهمها : مساواة المرأة بالرجل، في حقها بالولاية عن نفسها، وحقها في اختيار الزوج، وطلب الطلاق، وحقها في العمل، والدراسة، والحركة والسفر وحق منحها الجنسية لأطفالها. وكذلك مساواتها بالرجل في حقها بالإرث ونصيبها منه، وخاصة أن المرأة في هذا العصر تعمل مثل الرجل تماماً وتعيل نفسها وفي كثير من الأحيان تعيل والديها وفي أحيانٍ أخرى تعيل وتساعد إخوتها الذكور. وكذلك لا بد من عقلنة تعدد الزوجات الذي لم يعد متلائماً مع العصر، ولا يتناسب مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والكثافة السكانية التي نحن فيها.
إن أهمية قانون الأحوال الشخصية، تكمن في أنه تترتب عليه مفاعيل سياسية واقتصادية واجتماعية، وهو يصبح عامل دمج وانصهار للمجتمع كلما كان أكثر مدنية وشمولاً للمواطنين فيساوي بينهم في حقوقهم الشخصية ويقوي انتماءهم للهوية الوطنية، بينما يتحول إلى عامل تقسيم وتمزيق وتذرير كلما كان يكرس انتماء الفرد للكيانات الصغرى قبل الوطنية أكثر من انتمائه للهوية الوطنية. وبعض المحللين الاجتماعيين يعتبرونه أحد العوامل الرئيسة في قيام دولة المواطنة.
+++++++++++++++++++




















