الفساد لغة مُشتق من الفعل فَسَدَ، بمعنى تعفّنَ وتحلل. والفساد نقيض الصلاح، والمفسدة ضد المصلحة، والاستفساد خلاف الاستصلاح، والتفاسد يعني التدابر وقطع الأرحام، والفساد الجدب والقحط. والفساد اصطلاحاً يعني أخذ المال عنوة وظلماً-من غير وجه حق. ويشير المعنى الاصطلاحي لمفردة "فساد" إلى التحول من الصلاح إلى السوء، والفساد نقيض النزاهة وهو الأذى و السوء. والفساد انحراف عن الحالة السوية أوعن المعيار أوالقانون.
اعتبر الفلاسفة القدامى، إجمالاً، أن السياسة امتداد للأخلاق؛ فأرجع أفلاطون ظهور الفساد في السياسة والأخلاق والعقل والدين إلى التفاوت الطبقي. في حين رأى أرسطو أن ظهور الفساد أو عدمه يرتبط ببنية النظام السياسي، وتحديداً بدستوره.
وحديثاً ربط مفكرون وفلاسفة بين انتشار الفساد والسلطة المطلقة والاستبداد. فاللورد آكتون يرى أن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". والكواكبي يرى علاقة سببية بين الاستبداد والفقر والجهل والخوف والفساد. كما يرى أن الفساد من آليات الحكم والسياسة عند المستبد؛ فالفساد يبدأ من المستبد لينتشر عبر أعوانه والطبقات العليا المرتبطة به، والتي تتمثل بها الطبقات الدنيا، ليدخل كل بيت. "فالاستبداد جرثومة كل فساد".
من الواجب إقامة حد واضح بين فضائين للفساد: الفساد الخاص والفساد العام. فالشخص الذي يكذب على شخص آخر أو يغشه أو يبتزه، إنما يفعل ذلك لصالحه الخاص، وعليه يقع اللوم الأخلاقي أو العقوبة القانونية؛ ومَنْ يشهد شهادة زور أمام قاض، فإن فعله، وإن كان مدفوعاً بالخاص، فإنه يتجاوزه إلى العام، وتالياً، فإن الفساد هنا هو فساد النظام القضائي. وبالمقابل، فإن الشرطيين، وهم هنا يمثلون العام، الذين يلفقون دليلاً يجرم شخصاً إنما يفسدون، لكن قد لا يكون ذلك لمكسب خاص.
يُعرف الفساد بأنه "إساءة استخدام السلطة العامة أو المنصب العمومي لأهداف غير مشروعة، تكون بالعادة أهدافاً سرية، لتحقيق مكاسب شخصية". وللفساد أنواع أهمها الفساد السياسي ومن صوره فساد القمة والفساد الحكومي وفساد الأحزاب والفساد البرلماني، وللفساد السياسي تنويعات عديدة منها المحسوبية والرشوة والابتزاز، والفساد السياسي يُسهل ويستفيد من الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال والدعارة. وأنواع الفساد الأخرى هي الفساد القضائي والفساد الاقتصادي والفساد الأخلاقي والفساد الاجتماعي والفساد الإداري. والفكر المعاصر يربط ربطاً وثيقاً بين الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وثمة قرائن مادية على الترابط السببي المعقد بين الفساد وانتهاكات جسيمة للحقوق. ثمة، مثلاً، دلائل مادية قوية على الرابطة السببية بين الفساد والفقر.
على المستوى المفهومي، وعندما يتحدث المهتمون، اليوم، عن موضوعة الفساد، فإنهم يستخدمون عبارة "الفساد المؤسساتي" بوصفه جنساً شاملاً لأنواع الفساد في الفضاء العام برمته. ويقدمون خمس فرضيات أساسية لتفسير الفساد المؤسساتي؛ أولاً: فرضية الفساد كخصيصة شخصية، بمعنى ارتكاز الفساد على سلب السمة الأخلاقية من الأشخاص، أي، عندما يكون لفعل أحدهم، أثراً مفسداً على شخصيته الأخلاقية، يشكل بالنتيجة تأثيراً مدمراً على بقية فضائله. فلكي يَفسُد أحدهم، لابد من وجود مفسد يفسده. ثانياً: فرضية الفساد كخصيصة سببية، وتراهن هذه الفرضية على تعريف للفعل المفسد بنتائجه الأخلاقية على الأشخاص والمؤسسات. فلا يكون الفعل مفسداً إلا إذا أفسد شيثاً ما أو شخصاً ما. أي أن الفعل فاسد بفضل نتائجه المفسدة على أخلاقيات أشخاص آخرين أو على سير المؤسسة وأهدافها. ثالثاً: تقرر الفرضية الثالثة مسؤولية خُلقية على المفسدين، إن فعلاً ما لا يكون فاسداً إلا إذا كان الشخص الذي يقوم به قاصداً ومتبصراً الأذى الذي سينتج عنه. وعليه يمكن التمييز بين ثلاث صور للفاسدين. آ) فاسدون مسؤولون خلقياً عن أفعالهم الفاسدة ويستحقون اللوم عليها. ب) فاسدون مسؤولون خُلقياً عن أفعالهم الفاسدة ولا يستحقون اللوم عليها. ج) وفاسدون غير مسؤولين خُلقياً عما في شخصياتهم من فساد، لكن أفعالهم تعبر عن شخصية فاسدة، في وقت يكون لها نتائج مفسدة. رابعاً: فرضية اللاتماثل بين المُفسِدين والمُفسَدين، وهذا يعني وجود أشخاص فاسدين في مناصب مؤسساتية، وآخرون يقومون بأدوار في هذه المؤسسات. وهذا التضاد، أو اللاتماثل، على صورتين: فإما يُوضع الأشخاص الفاسدين في موقع التضاد مع سيرورات وأهداف المؤسسة، التي تنحرف بتأثيرهم؛ أو يُوضع المُفسَدون في موقع التضاد مع المُفسِدين. والفارق بين هؤلاء وأولئك يتعلق بالنوايا والمعتقدات الخاصة بالأثر المفسد لأفعالهم. خامساً: تشير الفرضية الخامسة إلى فساد مؤسساتي يتضمن فاعلين مؤسساتيين فاسدين أو مُفسِدين، وهؤلاء هم عملاء من خارج المؤسسة يؤدون، بشكل يستجلب اللوم، أفعالاً تقوض العمليات أو الأهداف المؤسساتية الشرعية. وبما أن الفساد، وحتى إن تضمن إساءة استخدام منصب عام، لا يستهدف بالضرورة مصلحة شخصية على الدوام؛ فإن باحثين يشيرون إلى أن مثل هذا الفساد مرتبط بالفساد السياسي، إذ أن الفساد السياسي يتضمن بالضرورة إساءة استخدام المنصب العام.
ينتج الفساد عن عوامل عديدة تنخر جسم المؤسسات الحكومية والدولوية، مثل البنى السلطوية والحكومية المتناحرة والمتنافسة، وتركيز السلطة بيد قلة من صناع القرار السياسي والاقتصادي مع غياب الديمقراطية والشفافية وقابلية المحاسبة والمساءلة، والفقر، وانغلاق النخب على ذاتها، وضعف سلطة القانون، وغياب الرقابة.
ويخلِّف الفساد نتائج قد تكون كارثية في بعض الأحيان. فعلى الصعيد السياسي يمكن للفساد أن يقوض الديمقراطية في حال وجودها أو يعيق ويحرف مسار التغيير من أجلها. وبذلك يقوض الفساد القيم الديمقراطية مثل الثقة والتسامح واحترام تعدد الآراء. كما يترك الفساد بصمته على الوضع الاقتصادي، إذ يعيق أو يقوض التنمية الاقتصادية من خلال تسببه في حالات عجز هائلة، كما يؤدي إلى ارتفاع هائل في كلفة الأعمال عبر زيادة المدفوعات غير المشروعة، ويحمي "استثمارات الحبايب" من المنافسة مما يؤدي إلى هيمنة شركات ومؤسسات غير كفوءة على النشاطات الاقتصادية بما يجلبه ذلك من خسائر على القطاعين العام والخاص.
++++++++++++++++++++++++++




















