قبل ما لا يتجاوز سبعة شهور ارتفع على نحو دراماتيكي سقفُ التوقعات الخاص بسوريا. البعض مثلاً رأى أن رحلة التطبيع بين أنقرة والأسد شارفت على الوصول إلى خاتمتها “الإيجابية”، وأن حكومة أردوغان ستقدّم للأسد كل الأوراق التي في حوزتها، ما لم يكن له مطالب إضافية! أما واشنطن فهي تستعد لسحب قواتها من سوريا، وعلى الأكراد تدبّر مصيرهم بين أنقرة والأسد، وفي الحالتين يتوجب على قسد “مثلما هو حال المعارضة” الإقرارُ بالهزيمة النهائية.
بشار الأسد نفسه بدا كأنه استقوى بذلك المناخ، فراح يشترط للتطبيع مع أنقرة انسحاباً تركياً كاملاً، ويشترط في المفاوضات مع الإدارة الذاتية الكردية ما يُترجم رضوخاً تاماً. وفي كلمته أمام نظرائه في اجتماع الجامعة العربية في الرياض، لم يفوّت الفرصة لرفض تقديم أي تنازل تحت ذريعة عدم السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية، كما لم يفوّت فيها بلا مناسبة مهاجمة أردوغان، ليعود بعد أقل من شهر للقبول بمبدأ الانسحاب التركي على مراحل مقابل التطبيع.
اليوم صار متاحاً لطائرة بشار الأسد أن تحطّ في الرياض وأبو ظبي ومسقط… إلخ، وأن يُستقبل في معظم العواصم العربية بالمراسم الرئاسية، لا على منوال زياراتٍ خارجية سابقة أُعلن عنها بعد انتهائها، وأتت صورها لتشي ببعدها عن الحد الأدنى من البروتوكولات الرسمية المعهودة. وبلا تقليل من شأن هذا التطور، خاصةً على صعيد كسر الحاجز الأخلاقي بالتعامل مع مرتكب أكبر جرائم هذا القرن، فإن ما حدث لا يرقى إلى التكهنات السابقة. وإذا سألنا أي سوري “تحت سيطرة الأسد” عن التغيّر في أحواله فلن ينبئنا بجديد سوى على صعيد المزيد من التدهور الاقتصادي والمعيشي، المزيد من ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملة والدخل المحليين، وحتى تدفق حقائب الأموال من بلد خليجي بعينه انتهى إلى العصابة الضيقة إياها.
لكننا، إذا أردنا الإشارة إلى مجريات ذات تأثير فعلي، لن نجد ما يُذكَر منذ الانتهاء من كذبة “مناطق خفض التصعيد” وحصول أنقرة على عفرين لقاء ذلك بداية عام 2018، باستثناء السماح لتركيا مجدداً بالتمدد في تل أبيض ورأس العين في تشرين الأول من العام التالي، ثم إقرار مجلسي الكونغرس قانون قيصر وتوقيع ترامب عليه أواخر العام 2019. أي أننا فعلياً على مشارف نهاية العام الخامس من عدم حدوث شيء مؤثّر سورياً، والحدث الوحيد المنتَظر حالياً هو إقرار القانون الأمريكي لمكافحة التطبيع مع الأسد، وهو في جزء منه استئناف وتمديد لعقوبات قيصر، وفي الجزء الآخر تشديد لمبدأ العقوبات على الذين يسعون إلى التطبيع مع الأسد.
لم تخلً السنوات ذاتها من مناوشات خفيفة هنا أو هناك، وكانت كلها بين قوات الأسد وحلفائه من جهة والفصائل المدعومة تركيّاً من الجهة المقابلة، وتبيّن مع كل اشتباك أن الظروف غير مهيّأة للتعديل في مناطق النفوذ التي تقسم سوريا إلى ثلاث مناطق. بل صارجليّاً أن إدلب “الخاضعة لهيئة تحرير الشام/النصرة سابقاً” مشمولة بنفس الدرجة من الحصانة، رغم الاتفاق النظري بين القوى النافذة على اعتبار الهيئة تنظيماً إرهابياً، والحجة الوجيهة وجود عدد ضخم من اللاجئين في إدلب ما يُنذر بكارثة إنسانية في حال مهاجمتها.
والأكيد أن الغزو الروسي لأوكرانيا، منذ 15 شهراً، قد أضاف عامل استقرار آخر للساحة السورية التي تراجعت ضمن أولويات موسكو. ومن نتائج الغزو تعزيز التواصل والتفاهم بين أردوغان وبوتين، ما انعكس بتبريد الجبهة السورية إلى أقصى حد، وبتمديد قرار مجلس الأمن إدخال المساعدات الأممية عبر الحدود إلى مناطق الشمال السوري الخاضعة لنفوذ أنقرة. وما لم تكن هناك تطورات غير متوقعة، سيبقى العامل الأوكراني ماثلاً حتى إشعار آخر، والمواجهة الشديدة مستمرة مع تطور في أدواتها القتالية. على سبيل المثال فحسب، يلزم شهور لتدريب الطيارين الأوكران على الطائرات الغربية قبل توريدها ليس قبل سنة، أي أن الاتفاق على ذلك الآن ينطوي على الإقرار بأن الحرب مستمرة حتى إشعار آخر.
على العموم، تنفرد واشنطن من بين اللاعبين بقدرتها على التوسع في سوريا لو شاءت، وبقدرتها على إحياء عملية سياسية ذات وزن ومصداقية، إلا أنها لا تريد التوسع ولا الانخراط في جهود سياسية. بتعبير دبلوماسي أمريكي تقليدي؛ لا ترى واشنطن الأطراف المعنية بالتسوية جاهزةً للشروع في مفاوضات حقيقية، وتنتظر أن تنضج الظروف التي تجعلهم جاهزين لتقديم التنازلات “الضرورية” وطلب التفاوض مع واشنطن وبإشرافها ومباركتها.
أما القوى الثلاث الأخرى فهي على دراية بـ”الجمود” الأمريكي، وليس لدى موسكو وأنقرة وطهران ما يحفّزها على السعي من أجل أي تغيير. وإذا كانت لكل منهما مطامع تفوق المتحقق على الأرض فإنها تفتقد إمكانية تعزيز نفوذها خلافاً لمشيئة المايسترو الأمريكي، ورغم ائتلافها في مسار أستانة فهي لم تراكم مجتمعةً قوة إضافية أو إنجازاً يُعتدّ به، يدفع واشنطن إلى تغيير سياستها الخاصة بالملف السوري. ما يقوله استقرار الميدان السوري في السنوات الخمس الأخيرة هو أن هذه القوى أيضاً قانعة بما هو متحقق لها، ولا ترغب في مغامرات غير مضمونة النتائج أو العواقب.
مع الانخفاض المعتاد في حجم المعلومات عن الكارثة السورية، تقدّم لنا أوكرانيا نموذجاً للمقارنة، فالبنك الدولي “في دراسة مشتركة مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وكييف” قدّر مؤخراً كلفة إنعاش الاقتصاد الأوكراني بـ441 مليار دولار، ولنا أن نتخيّل هول المبالغ اللازمة والضرورية لبدء التعافي من الخراب السوري. بموجب حساب التكاليف، سيكون من الأوفر تجميد الحالة السورية على ما هي عليه، بدل الانخراط في تسوية نهائية تتطلب مبالغ طائلة لإعادة الإعمار وتدوير عجلة الاقتصاد المنهار. أيضاً لن يكون شبح أوكرانيا بعيداً، فالحرب فيها تعزز فرضية تجميد الوضع السوري، وانتهاء الحرب هناك من المرجح بشدة أن يضعها في رأس أولوية إعادة الإعمار والإنعاش، مع التذكير بتراجع المؤشرات الاقتصادية عالمياً بما لا يسمح بالعناية بأوكرانيا وسوريا معاً.
غالباً ما يضع السوريون أنفسهم أمام المجهول بالسؤال عمّا سيحدث، عمّا تخبّئه قوى الخارج التي تتقاسم القدرة على تقرير مصيرهم. لكن السيناريو الأقرب إلى الواقعية في الأمد المنظور هو ألا يكون هناك حدث سوري مؤثّر، وأن تركن قوى الخارج إلى الوضع الحالي، بما أنه لا يضغط عليها، ويعفيها من مسؤولياتها عمّا يليه. لقد أمضى السوريون خمس سنوات تقريباً ضمن هذا الثبات، ورأوه أرأف بهم من معارك استنزفت حيواتهم ومعيشتهم بلا طائل، فهل تكفي “نعمة” الأمان وحدها لعشر سنوات مقبلة، أو ربما لعشرين…؟
“المدن”

























