لم يعد ممكنا تأجيل وضع حد لمعاناة مليون ونصف المليون من الفلسطينيين في قطاع غزة مهما كانت الذرائع الاسرائيلية والعربية والدولية التي لا تبالي بموت المرضى وجوع الاطفال والشيوخ والنساء والظلام المخيم على مدن القطاع، مما اعادهم إلى العصور الحجرية حيث عادوا للطبخ على الحطب حتى في المستشفيات وبدأوا يأكلون الحبوب المخصصة للحيوانات بعد نفاد القمح واغلاق معظم المخابز ابوابها. انها صورة تأباها كل القيم الانسانية والعربية والوطنية ويجب اعطاؤها الأولوية القصوى، فلسطينيا وعربيا ودوليا.
ما الذي حدث حتى تعمد اسرائيل إلى تشديد الحصارعلى القطاع، وتنتهك الهدنة التي تمت برعاية مصر؟ ان اسرائيل هي التي بادرت بقتل اربعة ناشطين من حماس وواصلت عملياتها وتباهت بقتل احد عشر مسلحا في القطاع خلال اسبوع واحد .
وليس هذا دفاعاً عن أي فصيل في القطاع، غير ان مسألة الحوار الداخلي الفلسطيني هي شأن يخص الفلسطينين وسوف يحل عاجلا او آجلا. لكن اسرائيل لها اجندتها الخاصة ولم تخف نواياها في القيام بعملية واسعة النطاق في غزة، وحتى بعد الجهود التي بذلها العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني فإن وسائل الاعلام الاسرائيلية التي اشارت إلى أن الحفاظ على التهدئة مطلب مشترك لاسرائيل وحماس ركزت، في الوقت نفسه، على أن العملية العسكرية الكبيرة ضد القطاع لن تتم «في وقت قريب»- أي انها ستتم كخيار لا بد منه وقد اعرب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ووزير دفاعه ايهود باراك عن حتمية المواجهة بين اسرائيل وحماس في وقت تختاره اسرائيل.
ومن سيدفع ثمن المواجهة؟ انهم مئات الآلاف من المواطنين الأبرياء الذين يعيشون مأساة حقيقية منذ ثلاث أعوام في قطاع غزة دون أن يبدو في الافق بصيص امل بإنهاء معاناتهم. وهم في واقع الأمر رهائن بشرية لهذا الصراع الاقليمي والدولي وليس لهم ذنب حتى يقعوا بين المطرقة والسندان: فهم أمانة في يد الفلسطينيين والعرب والاسرة الدولية. ومن المؤسف حقا أن الجميع لم يقوموا بواجبهم في الوقوف ضد الحصارالاسرائيلي الجائر، ولم يضغطوا على الاطراف المعنية لفتح المعابر، واطلاق مليون ونصف المليون من الأسرى الغزيين من معتقلهم الكبير في قطاع غزة.
والسؤال المطروح، مع تأكيدنا على عبثية اطلاق الصواريخ من القطاع بل وربما في سياق هذا التأكيد، هو : كم عدد الضحايا الاسرائيليين نتيجة هذا القصف الذي تقول اسرائيل انه اشتمل على اطلاق المئات من هذه «الصواريخ والقذائف»؟ المصادر الاسرائيلية نفسها تنفي وقوع حتى ولوجريح واحد مصاب باصابات متوسطة، فلماذا هذه العقوبات الجماعية التي طالت مليونا ونصف المليون من المواطنين الابرياء اذن – حتى لو افترضنا ،جدلا وخطأ، انهم مسؤولون عن اطلاق هذه الصواريخ- علما بأنهم في غالبيتهم الساحقة من المدنيين العزل الذين لا حول لهم ولا قوة، وكل ما يريدونه هو متطلبات الحياة الانسانية الكريمة ولقمة العيش الآمنة.
ولا بد من التحذير بأن أي مخطط اسرائيلي لعملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة سيكون ثمنه باهظاً، خصوصا من الناحية الانسانية وسيغير كثيرا من الحقائق على الصعيدين الاقليمي والدولي.
أما قضية انهاء الانقسام والخلافات الفلسطينية الداخلية فسوف يتكفل الفلسطينيون أنفسهم بحلها، واي تدخل خارجي لن يزيد الامور الا تعقيداً وخطورة. والامر الملح الآن ،وقبل كل شيء آخر، هو فتح معابر غزة وخصوصا معبر رفح وايصال المساعدات الانسانية الأساسية والوقود إلى ابناء الشعب الفلسطيني الذين يعانون الأمرين في القطاع. وهذا أمر يتقدم على سواه ويتوجب تنفيذه بأسرع وقت وقبل أن يفوت الأوان.



















