ما من مرة كان الوضع الفلسطيني في حالة مفتوحة على مخاطر داخلية مدمرة، كما هو اليوم، يعيش أجواء غير مسبوقة من توسيع الشرخ وزيادة التباعد ورفع منسوب الشحن والاحتقان. حالة لا تزيد من انكشافه فحسب، بل هي أيضاً تؤسس، إذا ما بقيت تتفاعل في خطّها التصاعدي؛ لمعادلات قاتلة، تقوم على الفصل والافتراق. في أحسن الحالات تصبّ في تسهيل عملية الانقضاض الإسرائيلية الجارية؛ على المتبقي من القضية. ما يجري الآن، بنتيجة التراكمات المعروفة، فيه من لعبة السياسة، أكثر بكثير مما فيه من العمل على تحصين الساحة.
كسب جولة الصراع، بات الهمّ الطاغي.. كل فريق يبدو منهمكاً في تعزيز مواقعه وطروحاته. كل فصيل مشغول في تسويق مواقفه، من باب أنها الأولى بالتأييد والأكثر جدارة.
طبعاً من حق كل طرف الترويج لمقاربته. لكن هذا شيء، والتشبث، بصورة أو بأخرى بشروط وقناعات مسبقة؛ شيء آخر. فعدم التزحزح يوازي الشطب أو التنكر للقواسم المشتركة التي تفرضها القضية الواحدة.
وفي ذلك ما يؤدّي إلى تعطيل الحوار الوطني. وهذا ما أدّى إليه فعلاً، بل قد ينسف ما تبقّى من احتمالاته. وفي الأجواء ما يدعو إلى الخشية، من أن تكون الأمور سائرة في هذا الاتجاه، فالمشهد الراهن يعزّز، للأسف، مثل هذه التوقعات. قضايا ومواضيع جوهرية وأساسية مثل حق العودة والانتخابات والحوار يجرى التعامل معها من مواقع مختلفة الطبيعي، كان أن تشكل هذه الأمور، مادة خطاب موحّد. العودة هي من الثوابت.
الانتخابات وكذلك الدستور، مرجعية الحوار صمام أمان. بدل أن تكون بمثابة الرابط والجامع المشترك، كانت مادة للتراشق؛ وبلغة مشحونة بكثير من التحدّي والتوعّد بالذهاب إلى آخر الشوط، كفعل وردّ فعل؛ وبما يهدّد بنسف كل خطوط الرجعة. خطوط يقتضي تعزيزها وتوسيعها.
على الأقل في هذه المرحلة الدقيقة التي بالكاد تقوى الأطراف الفلسطينية مجتمعة على الصمود بوجه تحدّياتها؛ فكيف بها وهي متفرقة؟ الواضح أن الأولويات متباينة والحسابات متضاربة.
يشير ذلك إلى استفحال الخلل في البوصلة الفلسطينية. بخلافه، ما كان يمكن أن تغيب المسلمات الجامعة، ولا كان من المعقول أن تبدو لعبة العضّ على الأصابع وكأنها متواصلة وبنيّة عدم التراجع قبل تقطيع هذه الأخيرة. ويبدو أنه في هذا الخضمّ غاب عن البال أن السؤال الآن ليس من هو الطرف الذي يقف الحق بجانبه؛ بل كيف يمكن إنقاذ الوضع من الغرق؟
ربما لا تزال الفسحة متوفرة للاستدراك. لكنها بالتأكيد تتقلص بسرعة. التقاطها مشروط بتصويب أسرع للبوصلة الفلسطينية، التي طال استبداد الشطط بها.



















