من المعروف على امتداد التاريخ ان عمليات استعمار، أو اغتصاب أراضي الغير بالقوة، حدثت على امتداد مراحل التاريخ المختلفة، وقامت إسرائيل بممارستها بأبشع السبل ضد الاراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها منذ عام 1967، وهي مستمرة في اغتصابها حتى الآن، ولكن تظهر وتكبر علامات استفهام حول قيام إسرائيل باغتصاب التراث الفلسطيني ومحاولة نزع هويته الفلسطينية، التي ظهر وعاش بها على مدى قرون عديدة، والباسه ثوبا إسرائيليا لا يمت له بصلة.
ففي الايام الاخيرة قامت حكومة بنيامين نتانياهو بضم كل من الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل ومسجد بلال بن رباح في مدينة بيت لحم إلى التراث اليهودي، وذلك في محاولة مفضوحة لبناء تراث تاريخي يربط إسرائيل بالاراضي الفلسطينية من ناحية، وفي اطار عمليات التهويد المنظمة التي تقوم بها إسرائيل في العديد من المدن الفلسطينية المحتلة وفي مقدمتها القدس الشرقية لاضفاء الطابع الإسرائيلي عليها، ومطاردة الوجود العربي والفلسطيني فيها تمهيدا لتهويدها بشكل أو بآخر.
ومع الوضع في الاعتبار ان الشعب اليهودي هو من الشعوب التي عاشت في المنطقة منذ القدم، الا ان اغتصاب التراث الفلسطيني، أو العمل على هدمه وتشويهه، أو تهويد هويته مع سبق الاصرار والترصد، هو أمر ينافي ليس فقط مسؤوليات إسرائيل كدولة احتلال للأراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها منذ عام 1967، ولكنه يتنافى كذلك مع ابسط المعلومات والحقائق التاريخية من ناحية، ومع عشرات القرارات الدولية للأمم المتحدة ولمنظمة اليونسكو حول الحفاظ على الطابع الاصلي، العربي الفلسطيني، للاراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، وعدم الاعتراف بأية خطوات أو اجراءات تتخذها قوات الاحتلال لتغيير هوية تلك الاراضي أو تهويدها جزئيا بشكل أو بآخر.
وإذا كانت إسرائيل، بكل حكوماتها المتتابعة، سواء حكومات حزب العمل، أو حزب الليكود، أو حزب كاديما، أو حكومات ائتلافية، قد مارست على امتداد العقود الستة الماضية عمليات اغتصاب التراث والتاريخ الفلسطيني، من اجل محاولة صنع قصة تاريخية إسرائيلية، ولو بالتزوير، لايجاد ما قد يربطهم بالاراضي المحتلة، وخداع الرأي العام العالمي بذلك، فإنه من المعروف ان الامر لم يتوقف على محاولات سرقة المواقع الأثرية البارزة، ولكنه امتد حتى الى سرقة الفولكلور الفلسطيني والكثير من الفنون التقليدية الفلسطينية، وكذلك بعض الأكلات وتسجيلها على انها تراث إسرائيلي، وهي معروفة للجميع بأصولها الفلسطينية الصرفة.
على أية حال فإن إسرائيل، بمختلف حكوماتها، لا تتورع عن تزوير التاريح والخرائط وحتى الحقائق الجغرافية على الارض، طالما يحقق ذلك مصالحها واهدافها الاستيطانية .غير ان هذه السياسات الاستعمارية التي تنتهك حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، لن تفلح على اي نحو في تزييف الاراضي المحتلة، لا الان ولا على امتداد التاريخ . ولكن ذلك يتطلب في الواقع ضرورة العمل فلسطينيا وعربيا ودوليا من اجل احباط المخططات الإسرائيلي التي حدثت بالفعل، والمخطط لها ان تحدث كذلك خلال الفترة القادمة.
وفي الوقت الذي يقوم فيه الشعب الفلسطيني الشقيق بمحاولات عديدة ومتعددة الاتجاهات والمستويات من أجل مواجهة مخططات التهويد الإسرائيلية لحاضره وتاريخه، فان دورا وواجبا كبيرا يقع على عاتق جامعة الدول العربية كمنظمة تجمع الدول العربية جميعها، وكذلك على عاتق منظمة المؤتمر الاسلامي التي تضم الدول الاسلامية على مستوى العالم، وعلى عاتق منظمة اليونسكو بوجه خاص والامم المتحدة بوجه عام، وان يساند ذلك تحركات منظمة من جانب مختلف الدول العربية والاسلامية لفضح اهداف إسرائيل ومخططاتها التي لا يمكن ان تسهم سوى في زيادة التوتر والدفع بالمنطقة الى حافة الهاوية. ومن المؤكد ان إسرائيل ستتضرر بالضرورة بسبب ما تمارسه من انتهاكات تبدد الامل في السلام والاستقرار وتفتح الباب للقلاقل والمواجهات والحروب.
عمان




















