في "التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية"، والذي أصدرته "مؤسسة الفكر العربي" نتوقف عند أحد المضامين التي أجرى التقرير العربي حولها أبحاثاً ميدانية بتحليل المضمون. ونتوقف بالتحديد عند "قضية العلاقة بالآخر"، أي ما تتضمنه المجلات العربية وبعض محطات التلفزيون العربية من خلاصات بشأن "ثنائية الأنا والآخر".
كيف تصف وسائل الإعلام العربية للعلاقة بالآخر؟ مَن هو الآخر؟ ما هي أهم سماته؟ ومن هو الأنا؟ وكيف تنظر الأنا إلى ذاتها وإلى الآخر؟ وهل يأخذ الآخر مدلولاً سياسياً أو مدلولاً ثقافياً أو مدلولاً دينياً؟
بداية، نستعرض الخلاصات التي توصل إليها استقصاء مؤسسة الفكر العربي حول قضية العلاقة بالآخر، وذلك في المجلات الثقافية العربية المختارة، وهي الهلال المصرية، والآداب اللبنانية، والعربي الكويتية، والصحيفة الثقافية المغربية.
اختلفت صورة الآخر داخل الخطاب الثقافي بالمجلات الثقافية، ففي أحيان كان الآخر يأخذ مدلولاً سياسياً، وفي أحيان كان يأخذ مدلولاً دينياً. فعلى صعيد العلاقة بالآخر السياسي يوضح تحليل الأطروحات المتعلقة بقضية "العلاقة بالآخر" ان هذا الآخر كان يشير، في احيان، إلى "الأميركي" المسيطر أو المحتل للأرض العربية، وفي أحيان كان الآخر هو "الإسرائيلي" المحتل القاتل، وفي أحيان كان الآخر هو "الأوروبي". ويخلص تحليل الخطاب الذي يستحضر الذات في مواجهة الآخر الغربي داخل المجلات الثقافية إلى مجموعة النتائج التالية:
1 يتم استحضار الآخر بصورة مستمرة في مواجهة الذات سواء اتخذ الخطاب منحى احتفائياً بالآخر مقابل تسفيه الذات، أم اتخذ من تصدير الأوضاع والأفكار السائدة لدى الآخر إلى الذات ذريعة للهجوم عليه.
2 يعتمد هذا الخطاب على آلية إسقاطية واضحة خصوصاً عندما يندفع إلى تفسير بعض الأوضاع السائدة في الواقع العربي (باستحضار فكرة المسكوت عنه في النص) في ضوء ما هو سائد لدى الآخر الغربي، وخصوصاً الأميركي.
وظهر في بعض مواضع الخطاب الآخر "الآسيوي" ولكن بصورة محدودة للغاية، على الرغم من انه الأقرب جغرافياً وحضارياً إلى البيئة العربية.
3 اما على صعيد العلاقة بالآخر الديني، فقد كشف تحليل الخطاب أن ظهور الآخر في منحى أو صورة دينية كان يرتبط باستمرار بالتأكيد على قيمة التسامح، وضرورة التعاطي والتفاعل معه، مع ربط هذا الأمر بجذور فكرية أساسية تمتد بجسورها إلى التراث العربي والإسلامي. ولم يفت الخطاب الثقافي ان يؤكد على فكرة ان الإسلام عقيدة ترتكز على فكرة قبول الآخر.
أما خلاصات بحث العلاقة بالآخر في بعض البرامج الثقافية في القنوات التلفزيونية العربية، فقد نذكر ما يلي:
1 في اطار ثنائية الأنا والآخر العربي في الخطاب التلفزيوني العربي كان الخطاب شديد الاستغراق في مفهوم الأنا الوطنية. وقد ظهر هذا التوجه في خطاب قناة النيل الثقافية، لكن بدرجة أقل من الحدة. وظهر أيضاً بصورة واضحة في خطاب القنوات الثقافية السعودية التي بلغ الأمر بها حد الالتصاق بـ"الأنا القبلية" في بعض الأحيان، والـ"الأنا الوطنية" في الكثير منها. وتنطبق هذه النتيجة أيضاً على خطاب برنامج الصالون الثقافي، الذي حضرت فيه بصورة أكبر فكرة الأنا المغربية، ويعني ذلك ان الخطاب الثقافي العربي من هذه الزاوية يعلي من شأن الأنا القطرية، على حساب فكرة التماسك العربي، أو التأكيد على فكرة الأنا القومية العربية.
2 يتكامل مع ما سبق اختلاف توجهات الخطاب عند تناول ثنائية الأنا القومية والآخر الغربي، إذ انشغل في هذا السياق بالآخر أكثر من انشغاله بالذات، وفي الوقت الذي اعتنى الخطاب بكشف عورات أو سلبيات الذات، فقد كان شديد الاهتمام بكشف إيجابيات الآخر الغربي. ويعني ذلك ان نظرية "جلد الذات" كانت تتحكم في الخطاب عند الحديث عن "الأنا القومية"، في حين سيطرت عليه نظرية "تمجيد الذات" عند الحديث عن الآخر الغربي. وقد كان هذا الأمر جلياً في خطاب برنامج الصالون الثقافي المغربي الذي كان يبالغ في بعض الأحيان في التأكيد على فكرة أن المجتمعات العربية طاردة للابداع والمبدعين، وقد كان خطاب قناة النيل الثقافية أكثر الخطابات توازناً في هذا السياق.
3 عكس الخطاب الثقافي في بعض المواضيع حالة التوتر في علاقة الذات بالآخر، واكد على رفض هيمنة الآخر على الذات، وقد اتفق الخطاب الثقافي التلفزيوني على ان الاستراتيجية الأفضل التي يجب أن تحكم علاقة الذات بالآخر هي استراتيجية الفائدة المشتركة من خلال وصف علاقة الذات بالآخر بالندية أو الاحترام المتبادل، وقد ظهر هذا الأمر بدرجة أكبر في خطاب قناة النيل الثقافية وبرنامج الصالون الثقافي المغربي.
4 يميل الخطاب الثقافي التلفزيوني إلى طرح القيم السلبية لدى الذات في سياق ما يطرحه من قيم إيجابية لدى الآخر، وقد ظهر هذا التوجه في خطاب قناة النيل الثقافية بصورة واضحة، وبرز أيضاً في خطاب برنامج الصالون الثقافي، وقد كان الخطاب شديد التركيز في هذا الاتجاه على تناول قيم التبعية، والضعف، والتسيب، ومصادرة حرية الابداع، وغيرها من القيم التي تمثل مجمل اتهامات النخبة المثقفة للواقع العربي، وفي مقابل ذلك كان هناك توسع نسبي في الاشارة إلى القيم الايجابية التي تحدد هوية الآخر، وجاء تركيزه في هذا الاطار على قيم التفوق العلمي، والتقدم الحضاري، وحرية التفكير، والتي تمثل المقابل الموضوعي للقيم السلبية لدى الذات.
"المستقبل"




















