اتفاق بلوستين – بن غوريون، الذي حصل في العام 1950 نبع من خشية يهود الولايات المتحدة من أن يدفع قيام دولة إسرائيل، كثير من الاميركية من أن يقولوا لهم انه من الافضل لكم الان ان تتركوا أميركا وان تهاجروا اليها (اي إسرائيل). يعقوب بلوستين، كان رئيسا للجنة اليهودية – الاميركيين، التي اعتُبرت في حينه المنظمة اليهودية الأهم في الولايات المتحدة. ووجد الاتفاق بينهما تعبيرا له في تبادل الرسائل في ختام زيارة بلوستين الى إسرائيل، بعد سنتين من قيامها، حيث أوضح بن غوريون، من جملة الأمور، بان الولايات المتحدة ليست منفى، وان إسرائيل لن تنشغل بالدعاية الصهيونية في الولايات المتحدة وان "دولة إسرائيل تمثل مواطنيها وحدها فقط وتتحدث باسمهم، ولا تدعي باي حال تمثيل أو الحديث باسم اليهود من مواطني دولة اخرى".
يعبر هذا القول بعيد الاثر عن عمق خشية يهود الولايات المتحدة من الاتهام بالولاء المزدوج. وبعد أن قيلت هذه الامور فقط وُعد بان تتواصل عملية نقل التبرعات الى إسرائيل، التي كانت بحاجة في حينه الى كل "سنت" كي تستوعب جموع اللاجئين الجدد. مرت اكثر من عشرين سنة الى أن صار في وسع زعماء إسرائيل ان يسمحوا لانفسهم بالحديث باسم الشعب اليهودي من دون ان يتلقوا شكاوى من زعماء الشتات لانهم يأخذون على عاتقهم دورا لم يكلفهم به احد.
حرب الايام الستة غيرت كل شيء. اعتزاز يهود العالم بالانجاز المذهل لإسرائيل حولّهم إلى موضع إعجاب في بلادهم. التماثل بين اليهود والإسرائيليين، الذي أزعجهم لفترة طويلة، تحول إلى مديح. فطوال عدة سنوات اعتُبر الإسرائيليون، وفي أعقابهم يهود العالم ايضا "سوبرمان". كانت الحرب الحدث الاهم في تاريخ العلاقات بين يهود الشتات وإسرائيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفاقت في اهميتها حدث قيام الدولة. يهود الغرب جاءوا للزيارة، واليهود خلف الستار الحديدي احتفظوا لانفسهم بكل اتصال بإسرائيل. دولة اليهود أثبتت قدرتها الهائلة، واليهود تحولوا إلى جزء من "المعجزة".
وحتى الشرخ القاسي لحرب يوم الغفران لم ينجح في تغطية بريق ما حصل في 1967. الجباية تجندت، البوندز اشتهر ومزيد من اليهود شعروا بارتياح شديد لقيامهم بدور مندوبين دعائيين لإسرائيل في العالم والمجادلين باسمها مع خصوم الدولة.
يدفعون الثمن
السنوات الاخيرة خلقت وضعا جديدا يعيد، بقدر لا بأس به، يهود الشتات الى اجواء السنوات الاولى للدولة. فثمة عدد متزايد من الاصوات اليهودية الساعية الى عدم التماثل مع إسرائيل. ليس لانهم اصبحوا معارضين لنا، بل لانهم يخافون على أنفسهم. كل مواجهة إسرائيلية – عربية تحول يهود العالم إلى هدف، وهم ينطوون على أنفسهم الى أن يمر الغضب.الذروة كانت، بالطبع، في الارجنتين في بداية التسعينيات، ولكن في اماكن عديدة اخرى في العالم كانت هناك عمليات ضد مؤسسات الطائفة اليهودية على خلفية التوتر الشديد أو العنف في منطقتنا.
أنا التقي في لندن مع صهيوني قديم. لم يعش ابدا في إسرائيل، وفي نظره الصهيونية هي التصور القائل بان الشعب اليهودي يستحق دولة خاصة به. وهو يرفض رفضا تاما نهج بن غوريون، الذي يقضي بانه ليس صهيونيا من لا يهاجر الى البلاد. وبرأيه، الصهيونية ليست ايديولوجيا تلزم كل يهودي بالعيش في إسرائيل وهي جاءت لتسمح بذلك.
غير أنه اذا كان بوسع إسرائيل في الماضي ان تتباهى في أنها تشكل ملجأ ليهود العالم، فان هذا هو الامر الاخير الذي يمكن ان نقوله عنها اليوم. زعماء إسرائيل يتحدثون عن خطر الابادة، يذكرون برلين في 1938 ويلمحون بانه اذا لم تحل مشكلة النووي الايراني بهذه الطريقة أو تلك فان على اليهود ان يفروا من المكان الذي يفترض أن يكون ملجأ لهم.
في المقابل، تحول يهود العالم في السنوات الاخيرة إلى رهائن لنشاط حكومات إسرائيل. صحيح أن من حق إسرائيل أن تتخذ القرارات كما ترى مصلحتها الوطنية. ولكن خلافا لدول العالم، فانها تتحمل مسؤولية اضافية في الا يدفع يهود العالم ثمن اخطائها. في السنوات التي جرت فيها عملية سلام بوتيرة مكثفة مؤتمر مدريد، اتفاق اوسلو، اتفاق السلام مع الاردن شعر يهود اوروبا بالامان وبانخفاض منسوب التوتر. ولكن كلما تزايد التوتر في الشرق الاوسط، تعاظم الخوف من التنكل بيهود الشتات.
"يتخلون عن الشعب اليهودي"
منذ الاسطول الى غزة واوروبا تمتلىء بالمظاهرات القاسية ضد إسرائيل، واليهود يتلقون نصائح بعدم السير وهم يعتمرون القبعات الدينية في محيط هذه المظاهرات. في العام 2010 ينبغي لليهودي ان يزيل قبعته الدينية في اوروبا خشية ان تؤدي المواجهة الإسرائيلية العربية بالعرب في اوروبا للمس به!
وهو لا يدرك لماذا بعد أن خرجت إسرائيل من غزة قررت فرض الحصار، وهي تمنع العالم من الاعتراف بتحرر غزة من الاحتلال. "اذا اردتم ترك غزة والتخلص من مليون ونصف فلسطيني، كنت سأفهم ذلك. اذا قاموا بعد مغادرتكم باطلاق الصواريخ على إسرائيل واردتم الرد هذا أيضا مفهوم، ولكن لماذا الحصار؟ غزة مسلحة حتى اسنانها. ماذا ينقصها اكثر؟ دبابات؟ في هذه الاثناء كل مدرسة يهودية في العالم تتحول إلى حصن، وكل كنيس هو هدف عسكري. هل تعتقدون فعلا بانه اذا ما ظهر أحد ما منكم في التلفزيون وقال ان العالم منافق، فانكم ستحلون المشكلة؟ صحيح انه توجد اماكن في العالم ترتكب فيها مظالم أشد، ووسائل الاعلام لا تهتم بها. ولكن إسرائيل هي التي تتباهى في انها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. هي التي تطلب معاملة خاصة، وهي تحصل عليها سلبا وإيجابا. ماذا تريدون، ان يتعاطوا معكم وكأنكم زمبابوي؟. وعندما تستخدمون القوة كي تمنعوا اسطولا، فكروا فينا ايضا".
هو غاضب جدا على اليهود الذين يخرجون ضد إسرائيل. كما أنه يفهم الخطوات التي لا يوافق عليها. وهو يحب الدولة ويكثر من زيارتها، ولكن يبدو له ان دولة اليهود لا تأخذ يهود العالم بالحسبان. وهو يسأل: "هل ثمة من يثير عندكم في المجلس الوزاري، في اطار احتساب المخاطر، ما يحصل في الشتات في اللحظة التي يقع فيه حدث عنيف بمبادرتكم؟".
"انتم ملزمون بان تفهموا"، كما يقول، أنه "من جهة أولى، إسرائيل ليست مكان السكن الذي سأوصي به احفادي اذا ما تدهور الوضع في اوروبا اكثر من ذلك، لانها اصبحت المكان الاخطر لحياة اليهود في العالم، ومن جهة اخرى انتم تتخلون عن الشعب اليهودي عندما تتخذون قرارات امنية. كنت صهيونيا، وسأبقى صهيونيا طوال حياتي، ولكن هذه المرة الاولى في حياتي التي اتفوه فيها بكلمة عبء عندما أتحدث عن إسرائيل".
إسرائيل اليوم 20/6/2010
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















