أقطاب "الثورة المضادة للأرز" يتبرّأون وأذنابها يتغنّون بقيمة الجرائم
وسام سعادة
بانطلاقة أعمال المحكمة الدولية، تدخل حركة الإستقلال اللبنانيّ الثانيّ أو "ثورة الأرز" مرحلة جديدة. كذلك الأمر بالنسبة إلى حركة الممانعة أمام الإستقلال من حيث هي حركة استتباع لبنان لمنظومة الممانعة السوريّة ـ الإيرانيّة، أو "الثورة المضادة للأرز" التي يحرص "الأقطاب" فيها على تبرئة الذات من أي علاقة بالجرائم التي ارتكبت، في وقت لا يتردّد الأذناب في التغنّي بهذه الجرائم، وينظمون لها المدائح، ويتوسّلون التنظيرات البائسة لأجل تبرير إمّا الجرائم وإما طمس هذه الجرائم، ومنهم من لا يتورّع في السرّ وفي العلن عن المناداة بضرورة القيام بجرائم جديدة، أو بضرورة تبرئة مجرمين أساءوا إلى لبنان ليس فقط منذ أربع سنوات وإنّما منذ نهاية الحرب الأهلية على أقلّ تقدير.
والحال أنّ العقل الجماعيّ لـ"الثورة المضادة للأرز" ما زال يتذبذب بين عدم تصديق مدى التدويل الذي بلغته قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريريّ، وبين حالات من الذعر من الحقيقة الآتية، إلى حد يبرز معه ما يشبه الإعترافات العلنية بالمشاركة في الجرم، بين الفينة والفينة.
فقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأركان الإستقلال اللبنانيّ الآخرين قد تمخّض عنها ليس غضب شعبيّ تخور عزيمته مع الأيّام، وإنّما غضب شعبيّ حيويّ مثابر عاماً بعد عام. وقد تمكّن هذا الغضب الشعبيّ من أن يفرض إرادة تدويل العدالة ومسيرة الحقيقة، إلى أن وصلنا إلى يوم صارت المحكمة الدولية بنية كاملة تنطلق من آخر ما توصّل اليه القانون الدوليّ في مواجهة الإرهاب، وتستلهم كل المحاكم الدولية التي سبقت بشأن كمبوديا ورواندا وسيراليون ويوغوسلافيا. بل صارت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حدثاً تنتظر منه المساهمة النوعية في توسيع مدارك القانون الدوليّ.
لم يحدث أن ارتبطت قضية شعب بانتظارات المحكمة الدولية. لقد باتت المحكمة الدولية هي المنطلق الأساسي، على الصعيد اللبنانيّ، لإعادة الإعتبار إلى القانون، وللتمهيد لاحقاً لسيادة القانون على كل الأرض اللبنانيّة، فلا معنى لدولة الحق والقانون المنشودة دون تلك السيادة. كذلك صارت المحكمة الدولية فرصة حقيقية لنهضة أخلاقية في لبنان، لأن هذا الركام الذي استجمعه البعض من مزبلة الأيديولوجيا لسدّ الطريق أمام الحقيقة أو للتعتيم عليها، إنما هو ركام لإنحطاط أخلاقيّ صنع على مدى السنوات الأربع الأخيرة شبكة الأمان الأساسية للثورة المضادة للأرز.
أما على صعيد الكوكب ككل، فإن المحكمة الدولية الناظرة في الإغتيالات المتسلسلة هي في الواقع محاكمة منهجية لأطول حرب علنية ـ سرية تشنّ ضد بلد صغير من قبل بلد آخر ليس كبيراً بالمقياس الدوليّ، وهي حرب خيضت، كذلك الأمر، ضد القرارات الدوليّة المتعلّقة بلبنان، وضد التحقيق الدوليّ، وبشكل أساسي، ضد المحكمة الدولية.
الحدث استثنائي للغاية في تاريخ القانون الدوليّ، والمهم اليوم أن تكون الحركة الإستقلالية اللبنانية على مستوى التحديات التي تفرضها هذه الإستثنائية. فإذا كان كل منعطف اجتازته هذه الحركة على مدى السنوات المنصرمة، وفي مواجهة الخيارات الاستتباعية والتهديمية، مرتبطاً بالضرورة بلحظة تناسبه في مسيرة التحقيق الدولي وقيام المحكمة، إلا أنّ المرحلة التي تلي بدء المحكمة أعمالها ستجيء مختلفة، ولحظاتها ستكون أكثر مصيرية بالنسبة إلى الاستقلال الثاني، في صراعه مع "محور الممانعة".
فمن صدور القرار الظنيّ الاتهامي، الى بدء المحاكمات، الى تثبيت واعلان الحقائق التي جرى التوصّل اليها أثناء ثلاث سنوات من التحقيق، الى اكتشاف حقائق أخرى، إلى لحظة صدور الحكم، ودنوّ استحقاق تنفيذه.. كلها لحظات يجدر التحضّر لها منذ الآن.. وليست المشكلة هي التصبّر على تباطؤ الوقت.. المشكلة ان الوقت بالكاد يكون كافياً لتحضّر الحركة الإستقلالية للمستوى الذي ستفرضه ساعة اعلان الحقيقة وانزال العقاب.
ولعلّ نقطة البداية في هذه المرحلة الثانية من قضية الحقيقة والعدالة هي نقل الضباط الأربعة إلى لاهاي، وقد جاءت مؤشرات عديدة في اليومين الماضيين لتوحي بنوايا غير مطمئنة في معسكر "الثورة المضادة للأرز" لإعاقة هذا الإنتقال، ولممارسة ضغوط غير مسبوقة على القضاء اللبنانيّ، وبشكل مباشر وعلنيّ.
المهم أن يبقى الأمر في نطاق المؤشرات السلبية والضغوط، أما إذا زاد الوضع عن حدّه، بمعنى اعاقة نقل الضباط الأربعة إلى حيث ينبغي أن يكونوا الآن، فهذا يعني أنّنا عدنا من جديد إلى لحظة انفجار واسعة النطاق تستهدف المحكمة الدولية بمثل ما تستهدف الانتخابات النيابية.
لأجل ذلك فإنه، في مكان ما، لا بدّ من حبس الأنفاس، حتى استكمال جميع ما تحتاجه المحكمة الدولية في لاهاي للإنطلاق، وبشكل أساسي الإنتقال السالم لأرشيف التحقيق، بما فيه الضباط الأربعة.
والمشكلة ليست فقط في ما يتعلّق بالضبّاط الأربعة، بل هي أساساً في عدم قدرة منظومة "الممانعة" على التعامل بواقعية مع ملف المحكمة.. ستحتاج هذه المنظومة لكثير من الوقت قبل ان تعي أن لا فكاك من المحكمة أو مخرج. وحال الممانعة أمام المحكمة الدولية كحال المريض "ايجابي المصل" الذي يمكنه أن يؤخّر أو أن يراهن على تأخير مرحلة تفشّي المرض، إلا أنّه لا يمكن أن يتحرّر من المرض نفسه.




















