يقف الرئيس الاميركي باراك اوباما غدا داخل المدرج الكبير في جامعة القاهرة ليمد يد المصالحة الى العالم الاسلامي بعد اكثر من ثماني سنوات من هجمات 11 ايلول 2001، التي اطلقت بعدها الولايات المتحدة "حرباً على الارهاب" دفعتها الى التدخل عسكريا في بلدين اسلاميين هما العراق وافغانستان. وفي خطوة قد تثير استياء الحكومة المصرية، دعا معارضون وناشطون حقوقيون الى اثارة ملفي حقوق الانسان والاصلاح الديموقراطي خلال زيارته للقاهرة وانتقدوا امتناعه عن لقاء ممثلي المعارضة والمجتمع المدني.
وتعتبر جامعة القاهرة، التي تستعد لاستضافة اوباما بأعمال تجديد وتجميل تجري على قدم وساق منذ اسبوعين وقد اوشكت على الانتهاء، مهد العلمانية والتنوير في مصر وهي شاهد على قرن من تاريخها السياسي والفكري بل الفني ايضاً.
ولا يزال العديد من اساتذة جامعة القاهرة، مثل الاستاذ في كلية الطب أحد مؤسسي حركة 9 اذار لاستقلال الجامعات محمد ابو الغار، يذكرون بفخر كلمات الزعيم الوطني سعد زغلول عندما قال في افتتاح الجامعة عام 1908: "ان العلم لا دين له" في معرض رده على خطاب القاه احمد زكي بك (احد المؤسسين) وبالغ خلاله في الحديث عن "مجد الاسلام".
كما يستذكر اساتذة الجامعة بزهو كيف استقال رئيس الجامعة احمد لطفي السيد في 9 آذار 1932 دفاعاً عن استقلالية الفكر وحرية البحث، واحتجاجاً على ابعاد الدكتور طه حسين الذي كان عامذاك استاذاً في كلية الآداب بالجامعة بسبب الجدل الذي ثار بعد صدور كتابه "في الشعر الجاهلي" عام 1926 والاتهامات التي وجهت اليه بالتشكيك في الدين الاسلامي وكيف عاد الاديب المصري ليس فقط استاذاً بل عميداً لكلية الاداب.
وكانت جامعة القاهرة تأسست كجامعة اهلية من خلال عملية اكتتاب وطني في عهد الخديوي عباس حلمي عام 1908، ثم تحولت عام 1925 جامعة حكومية. ولكن بعد مئة عام على انشائها، لم تعد الجامعة صرحا تنويريا كما كانت.
والى العديد من العلماء والادباء والمفكرين، خرج من جامعة القاهرة ثلاثة من حائزي جائزة نوبل هم الاديب المصري نجيب محفوظ الذي فاز بجائزة نوبل في الآداب عام 1988 والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (جائزة السلام عام 1994) والرئيس الحالي للوكالة الدولية للطاقة النووية محمد البرادعي (جائزة السلام عام 2005).
وسيتحدث اوباما الى العالم الاسلامي من القاعة الكبرى في الجامعة التي تتسع لنحو 2300 مقعد.
وقال المستشار الاعلامي للجامعة سامي عبد العزيز ان اعمال تجديد المقاعد واعادة الطلاء والتجهيز اوشكت على الانتهاء. وشيدت هذه القاعة ذات القبة النحاسية على مساحة 3160 متراً عام 1935، وكانت شاهدا على الكثير من الاحداث السياسية والفنية المهمة في تاريخ مصر الحديث.
فقد كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يلقي فيها خطابا سياسيا سنويا في مناسبة "عيد العلم" الذي لا تزال مصر تحتفل به كل سنة في 21 كانون الاول، وهو تاريح افتتاح جامعة القاهرة عام 1908.
كما شهدت القاعة الكبرى الكثير من الأحداث الفنية ابرزها "لقاء السحاب" الذي جمع للمرة الاولى صوت ام كلثوم والحان عبد الوهاب في اغنية "انت عمري" التي شدت بها كوكب الشرق عام 1964 داخل هذه القاعة.
غير ان جامعة القاهرة ظلت منذ السبعينات من القرن الماضي حتى اليوم، ساحة عبر فيها الطلاب المصريون على اختلاف لونهم السياسي عن مشاعر الغضب ضد الولايات المتحدة وعن احتجاجهم على دعمها المستمر لاسرائيل.
وشهد حرم جامعة القاهرة، التي يدرس فيها الآن اكثر من مئة الف طالب، الكثير من التظاهرات المعادية للولايات المتحدة طوال السنوات الـ35 وخصوصاً ابان حرب العراق عام 2003.
اما مدرجات الجامعة، فقد استضافت مراراً في السبعينات من القرن الماضي المغني الثوري الشيخ امام، الذي كانت من اشهر اغانيه انذاك اغنية "شرفت يا نيكسون بابا" التي ألفها الشاعر احمد فؤاد نجم ليسخر من زيارة الرئيس الاميركي سابقاً ريتشارد نيكسون لمصر عام 1974.
معارضون وحقوقيون
في غضون ذلك، دعا معارضون وناشطون حقوقيون اوباما الى اثارة ملفي حقوق الانسان والاصلاح الديموقراطي خلال زيارته للقاهرة، وانتقدوا امتناعه عن لقاء ممثلي المعارضة والمجتمع المدني.
وفي مقال نشرته صحيفة "الوول ستريت جورنال" الاميركية طالب الناشط الحقوقي المصري سعد الدين ابرهيم، الذي يقيم حالياً في الولايات المتحدة ويخشى ملاحقته قضائيا اذا عاد الى مصر، اوباما بان يدعو ويعمل خلال وجوده في القاهرة من اجل اصلاح ديموقراطي.
وكتب ان "رئيسا اميركيا انتخب على اساس برنامج يدعو الى التغيير سيكون صوته كالموسيقى في آذان المصريين" ولكن "المصريين العاديين" لن يتمكنوا على الارجح من "الوصول اليه ناهيك بعقد لقاء معه". واضاف ان "60 في المئة من سكان مصر ولدوا في عهد مبارك ولم يعرفوا حاكماً غيره والعديد منهم يريدون "التغيير" وينتظرون بفارغ صبر شخصا يساعدهم على تحقيقة".
ودعت منظمة "هيومان رايتس ووتش" التي تتخذ نيويورك مقراً لها الرئيس الاميركي الى ان "يبعث برسالة واضحة تؤكد ان حقوق الانسان في المنطقة، بما فيها مصر، شاغل رئيسي من شواغل ادارته".
وقال رئيس حزب الغد المصري المعارض ايمن نور الذي افرج عنه في شباط الماضي بعدما امضى اكثر من ثلاث سنوات في السجن، انه "مندهش" لكون اوباما لن يلتقي اي "ممثلين للمعارضة او المجتمع المدني". واضاف ان "زيارة تقتصر على اللقاءات مع المسؤولين تعطي انطباعا ان هنالك رغبة في الفصل بين مبادئ وقيم الولايات المتحدة ومصالحها".
اما الناطق باسم جماعة "الاخوان المسلمين" عصام العريان فحذر من ان "السياسات الاميركية القائمة على دعم الانظمة الديكتاتورية ستؤدي في نهاية المطاف الى زيادة التطرف".
و ص ف




















