يقدم رئيس بلدية القدس، نير بركات، نفسه كزعيم علماني جاء لينقذ عاصمة اسرائيل من السيطرة الحريدية وليمنحها طابعا تعدديا ومنفتحا. ولكن البيان الذي أصدره حول وقف تقديم الخدمات البلديةللحي السكني غيئولا وحي مئة شعاريم ( حيث يسكن الحريديم)، ردا على اعمال الشغب العنيفة التي قام بها قسم من سكان هذين الحيين الأحياء، هو خطوة عقاب جماعي تتسبب في تأجيج لا داع له للخواطر المتأججة اصلا في المدينة.
منذ عدة اسابيع يتصدى بركات "للطائفة الحريدية" ـ الجماعات وحاشية الحاخامين الذين يرفضون الدولة الصهيونية ويقاطعون مؤسساتها. وفي محاولة لمراكمة النقاط في الشارع الحريدي، خرجت الطائفة الحريدية للكفاح ضد فتح موقف سيارات "سفراه" في ميدان البلدية ايام السبت، وحظيت بتأييد ودعم من أهم الحاخامين والمفتين الحريديم. بركات وقف ضدهم، وعن حق، ولم يستسلم للمظاهرات، وابقى موقف السيارات مفتوحا.
بعد أن هدأ لاحتجاج ضد موقف السيارات، وبعد تجنب تطور الاحتجاج ضد مسيرة المثليين في القدس ، نشأت ذريعة جديدة لتجدد الخصومة بين الحريديم والسلطات: اعتقال ام من احد الاحياء الحريدية للاشتباه بانها نكلت بطفلها الصغير وجوعته. وعُلقت في الاحياء الحريدية مناشير حادة اللهجة ضد الشرطة وخدمات الرفاه، وأُشيعت شائعات بان الطفل الصغير كان ضحية تجربة طبية وان الشرطة استغلت زيارة الام الى مكتب الرفاه كي تكمن لها وتعتقلها.
هذه المرة انزلق الصراع الى عنف مكشوف، تضمن اعمال شغب والحاق ضرر بمكاتب الرفاه البلدية، احراق حاويات قمامة والحاق الاضرار بمعدات الصرف الصحي، ومظاهرات عنيفة قام بها مئات السكان من الحريديم.
في المقابل، رد بركات ببيان أوقف فيه الخدمات البلدية للحيين الحريدييم مئة شعاريم وغيئولا، حيث وقعت اعمال الشغب. وهو علل قراره بالحاجة الى حماية عاملي البلدية من التنكيلات في اعقاب الاضرار بمكاتب الرفاه. ولكن بيانه المتسرع كان خطأ. ففي الحيين السكنيين يسكن عشرات الاف السكان، قلة صغيرة منهم فقط شاركت في اعمال العنف. لا يوجد أي مبرر لمعاقبة عشرات الالاف بسبب خطأ ارتكبه عدد قليل.
يمكن فهم التخوف على سلامة عاملي الرفاه والصحة، ولكن الحل ليس في فرض العقاب الجماعي على الطائفة الحريدية. يمكن حراسة مكاتب الرفاه ويمكن الامتناع عن اخلاء القمامة في الساعات والأماكن التي تجري فيها مظاهرات. ولكن اعلان حرب بلدية على جمهور بأكمله يؤدي فقط الى تأجيج الخواطر ودفع الحريديم في القدس الى موقف "إما هم أو نحن" تجاه السلطات. كل ذلك في الوقت الذي لم يحظَ فيه الصراع العنيف ضد قضية التنكيل بتأييد ودعم من الحاخامين ولا حتى من حاخامي الاجنحة المتطرفة، خلافا لقضية موقف السيارات.
ثمة أهمية عليا للحفاظ على التعددية الاجتماعية والثقافية في القدس ـ كي لا تتحول عاصمة اسرائيل إلى بؤرة فقر وتحريض ضد السلطة والمؤسسات الحكم. هذه مهمة رئيس البلدية، ولكن عليه ان يؤدي دورا تصالحيا، وان يتذكر بانه يخدم ايضا الجماهير التي لم تنتخبه والتي تعارض طريقه. فرض القانون مهم ويجب الاصرار عليه، ولكن لا يجب اللجوء إلى سياسة البلطجة في مواجهة الفوضى العامة.
("هآرتس" افتتاحية 17/7/2009)




















