أثار الخطاب الهام الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة (4/6/2009) كثيراً من الجدل وردود الأفعال المؤيدة منها أو المعارضة أو المشككة. فكما هو واضح من مضمون خطابه، جاء يخطب وُدَّ المجتمعات العربية والإسلامية، مستفيداً من رمزية المكان: مصر التاريخية – جامعة القاهرة – الأزهر الشريف. في طريقه عرج على السعودية بغرض "أخذ المشورة"، حسب تعبير الصحف السعودية. فهي لا تريد خطابات ولا مؤتمرات عندها. لكنها ترغب أن تبقى في "خلفية الصورة".
فمن أجل فهم أعمق لمضمون الخطاب، علينا أن نقف عند الظرف السياسي الذي أملى عليه أن يقول ما قال. كذلك علينا معرفة المناخ الدولي الحالي الساعي إلى التعاون لحل الأزمات الناشبة وتوحيد المواقف المشتركة لإطفاء بؤر التوتر في العالم. أخيراً هناك أسئلة عريضة علينا طرحها في ظل المناخ الجديد الذي يكتنف أوضاع المنطقة (مستجدات الوضع الفلسطيني، انتخابات الرئاسة الإيرانية، الاستحقاق النيابي في لبنان، العلاقات السورية – الأمريكية، تطورات الوضع العراقي).
الظرف السياسي:
تعيش الولايات المتحدة منذ فترة أزمة سياسية حادة، جعلت العديد من الأوساط والدوائر الرسمية يعترف بفشل السياسات التي مارسها الرئيس السابق بوش خلال ولايتيه. ومما زاد في حدتها والبحث عن مخارج لها نشوب الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت فيها.
فالمرحلة البوشية عموماً استخفت بالشركاء والمنظمة الدولية وأصحاب الشأن حين أغرقت نفسها في احتلال العراق وقبله في أفغانستان، رافعة شعار الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول 2001. يضاف إلى ذلك السجل الحافل في ممالأة إسرائيل وإهمال مصالح العرب ودورهم في المنطقة وأخيراً دعم العدوان الإسرائيلي على لبنان تموز 2006 وعلى غزة أواخر العام الماضي. وهكذا جوبهت هذه السياسة بالمقاومة وإعراض شعوب المنطقة واتساع دائرة العداء للولايات المتحدة الأمريكية. في الممارسة فشلت في فرض سياساتها وأهدافها، وتبين للجميع محدودية النتائج السياسية لقوتها العسكرية.
لقد أضحى واضحاً أن الإدارة الأمريكية الجديدة أخذت تتحدث بلغة وتوجهات تختلف عن توجهات الإدارة السابقة، سواء على المستوى الداخلي الأمريكي أو المستوى الخارجي. وهذا لا شك ينسجم مع شعار "التغيير" الذي أطلقه أوباما خلال حملته الانتخابية. ولعل أهم هذه التوجهات الابتعاد عن التفرد والتهديد بالقوة واستخدامها. فالنظام العالمي الآن أخذ يتوجه نحو التعددية القطبية التي أضحى تجاهلها صعباً. هذا عدا عن حاجة الولايات المتحدة لإشراك الحلفاء والآخرين في رسم السياسة الدولية والتعاون في تحقيقها. بل هناك توجه للحوار مع الخصوم قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
نلحظ أيضاً ابتعاداً عن عسكرة السياسة الخارجية وتوجهاً نحو اعتماد "القوة الذكية" في حل المشاكل واتباع الأسلوب السلمي الهادئ للوصول إلى حلول مرضية.
فالمناخ الدولي وفق ما أشرنا إليه يقرب بين مراكز القرار، وبالتالي، لا بد أن يعكس تأثيره على المناطق الملتهبة، من باكستان وحتى المغرب، فهي تشكل وفق تعبير مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغينيو بريجنسكي "قوس الأزمات"، التي للقوى الدولية فيها مصالح حيوية.
وقفة سريعة عند الخطاب:
لعل عبارة "بداية جديدة" التي عنون أوباما خطابه بها، إنما عبر عن اعتراف غير مباشر بخطأ السياسات الأمريكية السابقة وضررها على المنطقة وخصوصاً القضية الفلسطينية. فأوباما هنا في مجمل خطابه لم يقدم سياسات أو وعوداً للمستقبل، بمقدار ما قدم إشارات إلى أن الإدارة الجديدة قد أدارت ظهرها للسياسات القديمة، وقدم رؤية للسياسات القادمة. فبهذا المعنى أصر على أن الولايات المتحدة تريد أن تتصالح مع المسلمين عموماً والعرب خصوصاً. والمسألة الثانية الهامة باعتقادنا حين تحدث عن أفغانستان مؤكداً أن بلده لن يبقى فيها نُفسِّر هذا الموقف على أنه قد أسدل الستارة على أحداث 11 أيلول وتداعياتها، أي لم تعد تلك الأحداث حجة لتبرير العداء للإسلام واستمرار "الحرب على الإرهاب". لذلك نراه هنا وفي مجمل خطابه استخدم عبارة العنف الشديد بديلاً من الإرهاب. وفي ذات السياق تحدث عن العراق ملمحاً بشكل غير مباشر إلى اختلاف في المواقف الأمريكية تجاه العدوان عليه، مؤكداً على الانسحاب النهائي نهاية عام 2011 والانسحاب من المدن نهاية حزيران، الذي تم في وقته. وأكد أيضاً أنهم لن يحتفظوا بأي قاعدة على أراضي العراق في المستقبل.
ركز الخطاب على القضية الفلسطينية وحل الصراع العربي الإسرائيلي كبؤرة للتوتر الشديد في المنطقة. فالانفراج والتهدئة يمران عبر حل هذه القضية. يبدو أن هذا التوجه سيشكل بداية خلاف مع إسرائيل إذا قارناه مع سياسات الإدارات الأمريكية السابقة. أكد خلال معالجته هذه المسألة على "لا شرعية الاستيطان"، مطالباً بإيقافه، وعلى مسألة "حل الدولتين". دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل تعيشان جنباً إلى جنب بسلام، مشيراً إلى أن حل النزاع العربي الإسرائيلي مصلحة أميركية وعالمية وعربية.
لكن لنا هنا عدة ملاحظات أبرزها، أنه ساوى بين معاناة يهود أوروبا ومعاناة الفلسطينيين بعد تهجيرهم واحتلال أراضيهم واستمرار العدوان عليهم. ولا شك أن هذا الوصف لا ينطبق مع الحقائق التاريخية التي تعرض لها كلا الطرفين. والأمر الثاني؛ تغاضى عن ذكر القرارات الدولية الملزمة لإسرائيل والممتنعة عن تنفيذها (194، 242، 338)، والثالث؛ كان عليه أن يتحدث عن العدل في معالجة حقوق الفلسطينيين التاريخية بعد نكبة 1948. وبصرف النظر عما يمكن أن يتحقق على أرض الواقع من طروحات أوباما التي لاقت منذ لحظات خطابه اعتراضاً بأشكال مختلفة من الحكومة الإسرائيلية. لكن أهمية طرحه آتية مع بداية عهده، خلافاً لما جرى مع الإدارات الأمريكية السابقة، بمعنى آخر تبدو مصداقية الإدارة الجديدة على المحك. فهي لم تعد تستطيع التملص من وعودها لتحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية ولمسألة الصراع العربي – الإسرائيلي.
توقف أوباما أيضاً عند مسألة الديمقراطية. فطرح بعض الأفكار الهامة مثل: "لا يمكن لأي دولة، ولا ينبغي لها أن تفرض نظاماً للحكم على أية دولة أخرى. سوف نرحب بجميع الحكومات السلمية المنتخبة، شرط أن تحترم جميع أفراد الشعب في ممارستها للحكم… وعلى الحكام أن يحترموا حقوق الأقليات وأن يعطوا مصالح الشعب الأولوية على مصالح الحزب الذي ينتمون إليه. الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الديمقراطية قيمة عالمية تدعمها، لكنها لن تفرضها على شعوب المنطقة، وهي التي ستختار الطريق الذي يلائمها.
كما تحدث عن حقوق المرأة والحرية الدينية "إن التسامح تقليد عريق يفخر به الإسلام"، وعن التنمية الاقتصادية وتنمية الفرص. وطرح جملة من المشاريع التي يمكن أن تنهض بها الشعوب الإسلامية وتقربها من العالم المتقدم مع المحافظة على ثقافاتها وتقاليدها. ومثال ذلك اليابان وكوريا الجنوبية اللتان تشكلان نموذجان يحتذى بهما.
الجدل الأمريكي – الإسرائيلي حول التسوية:
في الواقع العملي، المطلوب من نتنياهو مسألتان: الاعتراف بحل الدولتين ووقف الاستيطان. عن النقطة الأولى: أقر نتنياهو واليمين الإسرائيلي للمرة الأولى الاعتراف بدولة فلسطينية. لكنه وضع شروطاً على قيامها تجعلها أشبه بحكم ذاتي (دولة منزوعة السلاح، لا سيادة لها على حدودها وأجوائها، وممنوع عليها عقد أية اتفاقات أو تحالفات، إضافة إلى الاعتراف بيهودية إسرائيل). أما مسألة الاستيطان، فلم يستجب للمطالب الأمريكية تحت حجة "النمو الطبيعي للمستوطنات". وتشهد الفترة الراهنة ضغوطاً أمريكية ومحاولات إسرائيلية للوصول إلى حلول وسط تسمح لإسرائيل عملياً بمواصلة الاستيطان. إلا أن الإدارة الأمريكية ومن ورائها الاتحاد الأوروبي لا يزالان على موقفهما الداعم لوقف الاستيطان بشكل كامل ونهائي، وذلك لقناعتهم بأن استمراره يحول دون قيام الدولة الفلسطينية المنشودة والتي تمثل مصلحة أمريكية، حيث تشكل المدخل الرئيسي لحل مشاكل المنطقة. هذا هو المنظور الأمريكي الجديد المخالف لما كانت تطرحه الإدارات السابقة التي كانت تقول أن الاستيطان يشكل عقبة في طريق السلام. أما حالياً، فيعتبر الشرط الضروري لبداية المفاوضات والوصول إلى حل الدولتين، خاصة أن اليهود الأمريكيين مع وقف الاستيطان. فالحكومة الحالية في هذا الظرف لا تستطيع أن تجيّش اللوبي اليهودي ضد الطروحات الجديدة. وهذا مضمون ما طرحه تقرير هاملتون- بيكر على الإدارة الأمريكية السابقة، ومن المفهوم أن نجاح إدارة أوباما في طروحاتها الجديدة مرهون بدعم الشعب الأمريكي لهذه الطروحات من جهة وتفاعل دول المنطقة وشعوبها من جهة أخرى.
أما موضوع الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح التي يصر عليها الإسرائيليون فنعتقد أن الأطراف الدولية ضمناً لا تعارض إسرائيل في ذلك وتعتبره غير رئيسي. والأمر الواجب التأكيد عليه الآن وجعله الشرط الأساسي لمعاودة المفاوضات هو الوقف التام لمشاريع الاستيطان وعودة الأمور إلى ما كانت عليه الضفة الغربية عشية الانتفاضة الثانية عام 2000، حيث يؤدي تحقيق هذا المطلب إلى إزالة المستوطنات التي بنيت بعد هذا التاريخ وإخراج الجيش الإسرائيلي من المدن وإزالة الجدار العازل والحواجز.
ينصب الموقف الأمريكي هذه الآونة على صياغة مبادرة جديدة سيعلن عنها أوباما في نهاية تموز، قائمة على المبادرة العربية المقرة في قمة بيروت 2002، وعلى خارطة الطريق، في حين يعاني الموقف العربي من غياب التنسيق بين أطرافه وخصوصاً الدول المحيطة بإسرائيل بما فيها السعودية. وهناك أيضاً الانقسام الفلسطيني الناجم عن المصالح الضيقة لكلا طرفيه فتح وحماس والذي يبدو أنه مرتبط بالصراع الإقليمي.
إن هذا الوضع المعقد يجعل مسألة التسوية أكثر بعداً مما قدرته الإدارة الأمريكية، وبسبب من ذلك، قد ينساق البعض باتجاه البحث عن تسوية جزئية مع سوريا، الأمر الذي يجب الحذر منه، باعتبار أن التسوية هي بين العرب وإسرائيل. أما الأراضي السورية واللبنانية المحتلة ستكون جزءاً من الحل. هناك خوف من أن تتم مثل هكذا تسوية جزئية على حساب القضية الفلسطينية.
ولا بد أخيراً من الوقوف عند الوضع الإيراني الذي يمر بظروف داخلية جديدة، تصعب عليها دفع حماس باتجاه التشدد. ومن المعروف أن تأثير إيران على حماس أضعف منه على حزب الله، في حين أن التأثير السوري هو الأقوى. ونحن نرى أن المصالحة بين الفلسطينيين مصلحة فلسطينية وعربية في المقام الأول ومصلحة وطنية سورية في الوقت نفسه، ومن الواجب على السلطة السورية أن تدفع بهذا الاتجاه، لأن لملمة خلاف الفلسطينيين يلبي المطالب الدولية، ويمكنهم من تحسين مواقعهم التفاوضية في التسوية المقبلة على الجولان المحتل. فهذا الموقف ينبغي أن ينبثق من مراجعة العلاقات السورية الإيرانية التي أضحت بحاجة إلى إعادة نظر.
تداعيات انتخاب الرئاسة الإيرانية:
شكلت عملية انتخابات الرئاسة الإيرانية ونتائجها وما أعقبها من احتجاجات لحظة فارقة في مسار "الثورة الإسلامية". حيث شهدت حملات المرشحين حشوداً فاق بعضها المليون، تأييداَ للمرشح مير حسين موسوي. كما شهدت نسبة عالية من المقترعين. ويعزو أغلب المراقبين عملية التزوير، التي اتهم بها المرشحون الخاسرون السلطات الإيرانية، إلى الخوف من هذا المد الكبير واحتمال فوز موسوي.
ظهَّرت العملية الانتخابية للمرة الأولى عمق الانقسام في صفوف النخبة السياسية والدينية. كما أن حجم الكتلة التي صوتت للمرشحين الإصلاحيين موسوي وكروبي بلغ 17-18 مليون صوت. وأظهرت أيضاً عمق الانقسام في المجتمع الإيراني الذي يغلب عليه جيل الشباب الطامح إلى التغيير والانعتاق من القيود التي تفرضها المؤسسة الدينية على الحرية الشخصية وحرية التعبير والتنظيم، والذي يعيش في ظروف داخلية تزداد فيها حدة الأزمة الاقتصادية بعد تراجع أسعار النفط، وارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى حدود 20-25%. الأمر الذي أدى إلى أن تطاول الاحتجاجات مسائل السياسة الخارجية وأسلوب المواجهة مع الغرب، وتبذير الأموال في دعم حركات وقوى عديدة خارجية لا مصلحة وطنية لإيران فيها.
وبرز أيضاَ الانقسام في المؤسسة الدينية، بسبب دعم المرشد الأعلى علي خامئني أحمدي نجاد منذ البداية، ثم تثبيت فوزه قبل أن يبت مجلس صيانة الدستور في الطعون. مع بعض آيات الله المتشددين كجنتي الذي يرأس مجلس صيانة الدستور، والمعلوم عنه أنه طالب بإعدام المحرضين على الاحتجاجات.
برزت الاحتجاجات بشكل رئيسي في المدن، وتزعمها، بالإضافة إلى موسوي وكروبي، محمد خاتمي رئيس الجمهورية السابق. وتطورت هذه الاحتجاجات من الاعتراض على نتائج الانتخابات إلى عدم الاعتراف بشرعية الحكومة التي سيشكلها نجاد بعد إعادة تنصيبه. سوف يزداد الشرخ بين قوتين متعارضتين: الأولى تعترف بشرعية نجاد والثانية تعارضها.
إن الحيوية التي أبداها الإيرانيون، حولت الخلاف من خلاف بين محافظين وإصلاحيين إلى صراع سلطة ومعارضة.
لقيت عمليات العنف وقمع المحتجين انتقادات خفيفة متحفظة في البداية (الولايات المتحدة الأمريكية)، وتحولت إلى شاجبة لها (الاتحاد الأوروبي)، بينما خيم الصمت على الدول العربية باستثناء الإعلام الرسمي السوري الداعم لنجاد.
وعوضاً عن الإصغاء إلى مطالب المحتجين واحتواء الأزمة باجتراح حلول تؤدي إلى تقريب الأطراف المتنازعة من بعضها البعض، وكعادة جميع الأنظمة الاستبدادية والقمعية، ألقت السلطة الإيرانية مسئولية الأحداث على التدخلات الغربية وخصوصاً البريطانية منها. وشكل هذا الاهتمام إهانة لجموع ملايين الإيرانيين الذين نزلوا إلى الشارع، وإلى لرموز المعارضة السياسية والدينية المحتجة على تصرفات خامئني والحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
وجهت الأحداث هذه ضربة قوية إلى السلطة الإيرانية التي طالما ادعت وقوف المجتمع الإيراني خلفها، كما وجهت ضربة لعقيدة ولاية الفقيه وموقعه المنزه فوق الجميع، بعد أن وضع نفسه طرفاً بين الأطراف المتنازعة. كذلك أعطت إشارات سلبية لحلفائها (سوريا – حزب الله – حماس) قد تدفعهم إلى التفكير بمآلات التحالف معها.
كما أثرت هذه الأحداث سلباً على الحوار المنتظر مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بشأن برنامجها النووي ودورها الإقليمي، وأعطت الإسرائيليين حجة للتأكيد على عدم نجاعة طرح الإدارة الأمريكية الجديدة الأسلوب الحواري وبالتالي، ضرورة العودة إلى خيار الحل العسكري.
انتخابات المجلس النيابي اللبناني:
حققت قوى 14 آذار فوزها الثاني بعد خروج الجيش السوري من لبنان، حيث حصلت على 71 مقعداً، بينما حصلت قوى 8 آذار على 57 مقعداً. شكل هذا الفوز مفاجأة لإيران وسوريا ولحزب الله وحلفائه، حيث جرى الترويج لفوز سيغير معادلات القوة في الشرق الأوسط وفق تعبير أحمدي نجاد.
جرت الانتخابات في أجواء أمنية مقبولة ساهمت قوى إقليمية ودولية في الضغط لإنجاحها، حالت دون التدخلات المكشوفة لسوريا على وجه الخصوص فيها. بهذا المعنى يلحظ أغلبهم رضا دولياً على السلوك السوري تجاهها. وأظهرت هذه الانتخابات تراجع تمثيل التيار العوني للمسيحيين واقتراعهم لمرشحي قوى 14 آذار وبعض المستقلين. وسوف ينعكس هذا التغيير على الدور المستقبلي للتيار الوطني الحر، الذي برر السياسات الطائفية لحزب الله. وانتقل مباشرة إلى الحديث عن التمثيل النسبي لكتلته في الحكومة المقبلة.
توجت الانتخابات زعامة سعد الدين الحريري على الطائفة السنية متجاوزا بذلك زعامة أبيه على بيروت وعلى باقي الشخصيات السنية اللبنانية، حيث يصعب عليها الخروج من دائرة التحالف معه. وشكلت هزيمة للقوى والشخصيات السنية في قوى 8 آذار.
إن قانون عام 1960 الذي جرت الانتخابات على أساسه، ووقائع السنوات الأربع الماضية وخاصة أحداث السابع من أيار، أججت الاحتقان الطائفي والمذهبي الذي ميز الانتخابات، وظهَّرت استقطاباً طائفياً بين السنة والشيعة غير مسبوق، واستتباع الطائفة المسيحية بين هذين القطبين. كما كثر الحديث عن دور المال السياسي لمعظم المشاركين فيها.
وأثبتت الانتخابات أن قوى 14 آذار تمثل أكثرية لبنانية حقيقة. فهي ليست وهمية كما كان يدعي حزب الله وحلفاؤه.
وفي المستوى السياسي ثبَّتت الانتخابات لبنان في تموضعه السابق، مانعة بذلك قوى المعارضة من أخذه إلى محور "الممانعة". وفي الوقت نفسه نرى أن قوى 14 آذار لن تتمكن من تحقيق برامجها السياسية والاقتصادية طالما موازين القوى السياسية والعسكرية والإقليمية لم تتغير على الأرض.
السياسة السورية في ضوء المستجدات:
نعتقد أن المتغيرات الدولية التي ترافقت مع مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة المتسمة بمقاربة مختلفة عن سابقاتها، وإلى حد ما بعض المتغيرات العربية بعد قمة الكويت الاقتصادية، تعطي النظام السوري فرصة جديدة كي يعيد النظر في سياساته وتحالفاته المعروفة تمهيداً لانخراطه إيجابياَ في الجهود الدولية والإقليمية والعربية الساعية لحل أزمات المنطقة وخاصة فلسطين والعراق ولبنان، بحيث تكون سورية جزءاَ من الحل وليس جزءاَ من المشكلة كما كانت سابقاً. ومطلوب منه أيضاَ أن يعود إلى حاضنته العربية بدلاً من تفرده في التمحور مع إيران. باعتقادنا إذا سار النظام السوري في هذا الاتجاه سيحقق ليس مصالحه الخاصة فحسب، بل المصلحة الوطنية السورية.
لعل أهم مسألة الآن، هي تطبيع العلاقات السورية- الأمريكية، انطلاقاً من دعوة أوباما للحوار والتعاون مع الخصوم على أرضية الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. الملاحظ الآن أن الخطوات في هذا الاتجاه ما زالت بطيئة وحذرة من الجانب الأمريكي، مترافقة مع الاستمرار بتجديد العقوبات المفروضة سابقاَ حسب قانون محاسبة سورية. رغم زيارة العديد من الشخصيات البرلمانية والمسئولين في الإدارة وخاصة فيلتمان وميتشيل. يقابل ذلك حديث سوري إعلامي وسياسي عن تطور ملموس في العلاقات. ويبدو أن لدى الأمريكان أجندة لمراقبة سلوك النظام في الملفات التي تطلب الإدارة الأمريكية من سورية التعاون في شأنها. هناك أحاديث في أوساط دبلوماسية أمريكية عن رغبة أمريكا في تحسين العلاقات العربية مع سورية (لبنان والسعودية). يبدو أن الغرض من ذلك سحب سورية تدريجاَ من تحالفها مع إيران. وربما ساعدت الظروف الصعبة التي يعيشها النظام الإيراني الآن في إعادة النظر بهذا التحالف.
يلاحظ أن النقاط العالقة بين سورية وأمريكا آخذة في التقلص. فلم يعد الوضع اللبناني، خصوصاَ بعد الانتخابات، يشكل نقطة خلاف حادة. فلم يبق في المرحلة الحالية على الأقل سوى تمرير تشكيل حكومة الحريري. في المجمل يعتبرون أن استقلال وسيادة لبنان أصبحت مسألة ناجزة ولا يجوز لأي كان اللعب عليها. ويبدو أن النظام السوري قد وصل ضمناَ إلى هذه القناعة وأن دوره في الاعتراف بوجود نفوذ سياسي له آت من طبيعة علاقات الجوار بين البلدين.
شكّل انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية نهاية حزيران الماضي، مرحلة جديدة من التعاطي السوري مع الشأن العراقي. وقد خرج الوفد الأمني والعسكري والسياسي الأمريكي مرتاحاَ من اجتماعه مع المسئولين السوريين من زاوية ضبط سورية حدودها مع العراق ومنعها تسرب الإرهابيين عبرها، ولكن مع التمني الأمريكي الاستمرار بذلك.
المسألة الشائكة حالياَ والتي تمثل مطلباَ أمريكياَ وأوربياَ وعربياَ هي إنهاء الانقسام الفلسطيني بالمساعدة السورية على إنجاح حوار بين فتح وحماس الذي ترعاه مصر. فتوحيد الصف الفلسطيني يعيد الفلسطينيين إلى موقع الشريك في تقرير مصيرهم ويساهم في ممارسة الضغط على إسرائيل للدخول في المفاوضات التي تزمع الإدارة الأمريكية رعايتها وفق مبادرتها المتوقع طرحها نهاية تموز.
تمثل استعادة الجولان مصلحة وطنية عليا، خاصة بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان واستبعاد استخدام شعار وحدة المسارين لإضفاء الشرعية على السلوك السوري في عملية التسوية. ومن هذا المدخل نرى أن للنظام مصلحة في إنجاح المبادرة الأمريكية في اتجاه التسوية الشاملة للصراع العربي الإسرائيلي، وهو شعار طالما رفعته السلطة السورية وطالبت به. من هنا كانت هناك رغبة سورية جامحة في زيارة ميتشل إلى سورية، وقيام الأخير بتعيين الخبير الأمريكي في شؤون المفاوضات السورية الإسرائيلية فريدريك هوف نائباً لميتشل ومسئولا عنها.
هناك إشارات سورية دبلوماسية وسياسية تناقض ما يجري تداوله في الكواليس من رغبة سورية في عودة المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل بوساطة تركية في هذه المرحلة، في حين ما يصرح به الرئيس الأسد ووزير خارجيته أن لا شريك إسرائيلياًَ في عملية السلام، في إشارة منهما إلى حكومة نتنياهو التي أعلنت أكثر من مرة رفضها التنازل عن الجولان، ولكنها في الوقت نفسه موافقة على مفاوضات غير مشروطة.
إن استعادة الجولان وتحرير شعبه من الاحتلال معركة وطنية، لا يمكن إحراز النصر فيها دون مشاركة المجتمع وقواه الحية، عبر وحدة وطنية حقيقة على الصعيد ىالداخلي، واستناداً إلى موقف عربي موحد وداعم، وتفاعلاً مع المناخات الدولية الجديدة التي يمكن أن تفتح الطريق أمام الحل الشامل والعادل للصراع العربي الإسرائيلي.
إعلان دمشق والمستجدات :
في رد جديّ ومسئول على التوجهات الأمريكية الجديدة في المنطقة، أصدر إعلان دمشق الوطني الديمقراطي في 4/7/2009 بياناً إلى الرأي العام، يشرح فيه رؤيته لهذه التوجهات في جوهرها ومآلها ومسؤولية جميع الأطراف حيالها، مقيماً هذه التوجهات بواقعية وايجابية بعيداً عن زرع الشكوك وبيع الأوهام، وبالاستناد إلى خطه السياسي وأطروحاته المتكررة في مختلف أدبياته، بدءاً من بيان التأسيس وصولاً إلى جميع البيانات والوثائق الصادرة عن هيئاته ومؤسساته. تلك الطروحات التي استجلبت في حينها غضب السلطة وتقولات المغرضين، في حين بدأت السلطة تعيد الاعتبار لتلك السياسات وتبشر بها، بما يقدم دليلاً لايقبل النقص على أن سياسة الإعلان تنطلق من المصلحة الوطنية العليا للبلاد، بغض النظر عن اتفاقها أو اختلافها مع السياسات الأخرى، ولا تتأثر بمناخات التوتر والصراع بين السلطة وقوى المعارضة. فمصلحة سورية وطناً ومواطنين فوق كل اعتبار.
دعا البيان الإدارة الأمريكية إلى ((اعتماد سياسة المشاركة والحوار والمصالح المشتركة في علاقتها مع دول العالم ومنها الدول العربة والإسلامية)). ومعالجة مشاكل الشرق الأوسط "بالتشارك مع أبناء المنطقة". كما دعا كافة القوى الفاعلة في العالم والمنطقة إلى النظر بإيجابية إلى هذا التوجه الجديد وممارسة مسؤولياتها حياله لحل أزمات المنطقة ، وتمكين شعوبها من مواجهة استحقاقات المستقبل"، لتحقيق الاستقرار وإشاعة الديمقراطية وانجاز التنمية.
إن الانفراج في أوضاع المنطقة والعلاقات بين الإطراف الفاعلة فيها يمكن أن يفتح الأفق نحو واقع جديد يؤكد أهمية التحول الديمقراطي وضرورته، ويفسح المجال أمام الجميع للتفكير بعقل بارد وظروف مؤاتية وإعادة النظر في السياسات العقيمة التي طالما أورثت بلادنا الآلام والمصاعب، والبحث عن حلول ناجعة للاستعصاءات التي تواجهها سورية وقضايا المنطقة على حد سواء. وبذلك تعبر المعارضة مرة بعد مرة عن جديتها ومسؤوليتها في معالجة قضايا البلاد الوطنية، وتثبت أنها شريكة في الهم الوطني بإصرارها على ممارسة مسؤوليتها، التي لاتقل عن مسؤولية السلطة.
===========




















