كما في كل العصور, وكما ينقش التاريخ في ألواحه المتواترة, ينحسر الطغيان أو ينعدم في ذاكرة الحياة المتوارثة عبر الأجيال, وتبقى إلى الأبد صور أولئك الأحرار الذين يأبون إلا التشبث بالمبدأ والحقيقة في وجه الطغاة المستبدين.
وأخيراً فُكَّ قيد تلك الكلمة الجريئة والمعبرة، التي كان يصدح بها مناضلنا ميشيل كيلو, والتي سحرت عشاق الحرية والمقدسّين للإنسان ووجوده في كل مكان، وأرعبت كل من ينحاز إلى مصادرة وقتل هذه الكلمة التي يعرف أنها ستكون في يوم قادم إحدى الحراب التي ستوجه إلى مرماه الطاغوتي.
عاد ميشيل طائراً ليعيد في ذاكرتنا الأحلام التي غدت ترفرف في مخيلاتنا جميعاً نحن عشاق الحرية …. وذلك بُعيد خطاب القسم المشهور حين انطلق ربيع دمشق بمبادرة من ميشيل ورفاقه، فتحرك السكون الضارب في أعماق إنساننا السوري وتفتحت الأذهان وتحرك الوجدان, بعد طول أرق ووجع… فكانت المنتديات المتعددة والتعبيرات بأشكالها المختلفة، وأخذت تنمو ما اعتبرت بذوراً لحركات مجتمع مدني حديث، وغدا المشهد كأن المجتمع يستفيق من طول سبات، وبتنا نسمع ونرى ذلك في دمشق وفي حلب وفي حمص واللاذقية والجزيرة. وكأنما الحياة الحقيقية التي طال غيابها قد عادت إلى أرض الوطن، كما بتنا نسمع أحاديث متداولة بين الناس تنطبع بصور ومعاني، غير تلك الصور والمعاني المكرورة والمبتذلة… وتنفس الكثيرون الصعداء متأملين, ومتعطشين للحرية والديمقراطية والتعددية ولو أنها كانت في بدايتها….
عودة ميشيل إلينا طائراً يغرد من جديد أنشودة الحرية والديمقراطية، تجذَر فينا جميعاً ما نناضل من أجله، وهو إنعتاق هذا الوطن من قيود أسره. فالحرية والديمقراطية كانتا عنوان التغيير الأول لدى الشيوعيين السوريين عندما أدركوا منذ السبعينات أن هذين المفهومين هما المفتاح الذي لابد منه للعبور إلى التغيير والنهوض… وكان هذا الخيار بالنسبة لهم بمثابة تهمة، فكيلت لهم نعوتاً مختلفة آنذاك بدءاً من التحريف والبرجزة واللبرلة انتهاءً بالخيانة والتآمر.
إلا أن التجربة التاريخية سرعان ما أثبتت صحة هذا الخيار، بعد الأحداث الدرامية في أواخر التسعينات في منظومة الدول الاشتراكية السابقة، والتي كانت من أهم أسبابها غياب الحريات والحياة الديموقراطية.
وعشنا سنوات نحلم أن يتحقق ذلك في وطننا اسوة بباقي الأوطان الأخرى إلا أننا مُنينا بخيبة أمل كبرى… إن اعتقال ميشيل ورفاقه كان بمثابة اللبنة الأولى…. وكما هي سورية دائماً لم تبخل ولن تبخل فاللبنة التالية قد وضعت والضريبة التالية قد دفعت وها هم رفاق ميشيل في إعلان دمشق يحيونه من وراء القضبان، متحدين كل وسائل القهر والتنكيل.. وكأن لسان حال الجميع يتطلع إلى اللبنة التالية.. نعم لابد من لبنة تالية وتالية أخرى وأخرى .. فالحلم الكبير يستحق هذا العطاء… ويستحق هذه التضحية… واللبنات يجب أن تترسخ والمدماك لابد أن يقوم .. لابد أن يقوم…




















