في وداع الصديق محمود دغمش
ونحن نتكلم على محمود، نعرف أن الكلام لن يغير من الفجيعة الأليمة التي حلت بنا… لكن ما نقوله ربما يواسي النفس ويخفف من مصابنا…
كان (أبو وهب) لمن عرفه، يتحلى دائماً في علاقاته مع أصدقائه ومعارفه بروح وطوية رائعتين… في مساره ونهجه بقي هو ذاته بحُلوِ سلوكه ومعشره.. ونادراًً ما كنت تسمع منه قولة لا.. وإن كان يترك لنفسه هامشاً لإعادة النظر…
كان همه الأساس البلد والناس.. وهاجسه كان التغيير والتخلص من التخلف والقهر والظلم، والبحث عن الحلول والسبيل إليها.. وكان حلمه الدائم الوصول إلى مجتمع مدني ودولة حديثة يحكمهما قانون يطبّق على الجميع وتتساوى فيه الفرص…
لقد نسج صداقات عديدة، من مختلف المشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية، وقد اختارهم لتمايز أفكارهم وسلوكهم… جمع محمود بين صفات ابن القرية وابن المدينة… وكان ينظر للحياة بتفاؤل.. يتفاعل معها ويعشقها بكل المعاني. كرمه وعطاؤه كانا بلا حدود دون فضّل أو منّة. يتحلى بالنخوة والشهامة والفروسية، وتجده حاضراً في الأزمات وإن لم تقصدْه. وكان شجاعاً مقداماً عندما كان الآخر خائفاً أو متردداً. من أجمل شمائله محبته للآخرين.. فكان ودوداً لطيف المعشر والبسمة على محياه دائماً…صبوراً وإن أثقل عليه الآخرون. يتحمل نقد الآخر وحتى الجارح منه. يجيد الصمت والاستماع للآخر سواءً اتفق معه أو اختلف، ويتحلى بمقدرة فائقة على كبت مشاعره إذا تطلب الأمر ذلك… ينظر للأمور بشكل عقلاني وموضوعي.. لا يتخلى عن صداقاته وإن أخطأ الأصدقاء.. يكره الظلم ويقف إلى جانب المظلومين وينحاز للعدالة…
وفي عمله، كان أبو وهب متميزا، وهو المهندس الكفؤٌ. وقد تمكن من تحقيق حلمه بإنشاء مؤسسة كبيرة تحتاج إليها البلاد، وقد ابتدأ من الصفر، بمعونة إخوته ودعم أصدقائه، ونجحوا في ذلك رغم ما واجهوا من عراقيل.
إن الأسى كبير والحزن عميق والألم شديد.. هذه القامة وما كانت تشغله من حيزٍ كبير ستبقى في وجداننا أبداً.. و مهما كانت الكلمات… فهي لا تعبر عن الخسارة التي منينا بها بفقدانه.
أصدقاء محمود دغمش
=====================
محمود دغمش تشيعه دموع
الأهل والرفاق والأصدقاء
بمزيد من اللوعة والحزن والألم، شيعت القوى الديموقراطية في سورية أحد أبنائها، المناضل المهندس محمود دغمش إلى مثواه الأخير، في مدينة المليحة في غوطة دمشق يوم الجمعة في 4/12/2009. شارك في التشييع جماهير غفيرة من أهالي المليحة الكرام، وكل الأصدقاء والرفاق والزملاء والمعارف من دمشق والمدن السورية الأخرى.
لم يكن سهلاً على كل هؤلاء فقدان أبي وهب، وهو الذي كان مفعماً بمحبته للآخر و قدرته نسج الصداقات بلا حدود. لم نعرفه إلا باسماً، و لم يكن يتصنَّع تواضعه العميق. كان متفرداً في قدرته على الإصغاء للآخرين، ويختلف مع محاوريه بهدوء. لا يتخلى عن صداقاته، ولا يترك مزاجه ليتغلبَ عليه، يحاول جاهداً الإبقاء على الخيوط. في استقباله للناس يدفعهم تلقائياً ليتصرفوا وكأنهم في بيوتهم. ولم تكن علاقات محمود مع أصدقائه فقط، وإنما مع عائلاتهم، آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم وبناتهم وأحفادهم. لم تكن تهمه، لا من قريب ولا من بعيد، الهوية الدينية والمذهبية والعرقية والاجتماعية والطبقية للآخر. هكذا كان محمود في علاقاته صديقاً صدوقاً بكل المعاني، في وده وشفافيته وشجاعته وكرمه وعطائه وبذله.
لقد عرفناه صديقاً وظهيراً لكل الذين يطالبون بالحرية والديموقراطية والعدالة ودولة الحق والقانون، وكان مدركاً صعوبة الدرب إلى هذه الأهداف وما تتطلب من نضالات طويلة ودؤوبة، وقد عمل كل ما بوسعه لخدمة هذا الطريق الوعر. وكان يعطي دوراً كبيراً وأهمية استثنائية للمجتمع المدني في عملية التغيير الوطني الديموقراطي. ولقد نشط من أجل الحفاظ على البيئة في بلدة المليحة. ولم يمقت محمود التعصب الديني والمذهبي والقومي فحسب، وإنما كان يكره التعصب الحزبي إلى أقصى الحدود، ولذلك فقد كان من أوائل الذين تفاعلوا وتبنوا وثيقة إعلان دمشق للتغيير. أما عن موقفه من المرأة ودورها في المجتمع وضرورة تحريرها من قيودها، فلا نبالغ إذا قلنا أنه كان نصيراً للمرأة بامتياز.
كان محمود كمهندس متميزاً وناجحاً في عمله. اشتغل في البداية بعد تخرجه، في حقول النفط في رميلان ومن ثم في مؤسسة الإسكان العسكري، ثم ترك الوظيفة، واستطاع مع إخوته وبالتعاون مع بعض أصدقائه إقامة مؤسسة مرموقة لصيانة المحركات الكهربائية المتوسطة والكبيرة.
ينتمي محمود إلى أسرة محترمة في بلدة المليحة، لها باع في النضال الوطني والنشاط الاجتماعي، وقد حاول دائباً تربية أسرته على العلم والتهذيب واحترام الآخرين، وقد حصَّل معظم أفرادها على التعليم العالي في الطب والهندسة والاقتصاد.
نتقدم من والدة فقيدنا وزوجته وأبنائه، وهب ووائل ووسيم ووعد وأحمد، وأقربائه وأصدقائه بمواساتنا ونعبر عن أسفنا وألمنا الشديد بمصابهم. إن سيرة محمود ستبقى خالدة في قلوب الجميع.
"الرأي"
===========================




















