تقرير الشرق الأوسط
رقم 92 – 14 كانون الأول 2009
المجموعة الدولية لحل الأزمات
إعادة خلط الأوراق؟
(I) استراتيجية سورية قيد التطوّر
(II): أوراق سورية الجديدة
– الملخص التنفيذي
يعتري السياسة الخارجية السورية قدر هائل من التناقضات الظاهرية التي طالما حيرّت المراقبين الخارجيين. فالهدف المعلن لهذه السياسة هو تحقيق السلام مع إسرائيل؛ غير أن سورية عقدت تحالفات مع شركاء عازمين على تدمير إسرائيل. ثم أن سورية تفخر بكونها معقلاً للعلمانية لكنها تتبنى نفس القضايا التي تتبناها حركات إسلامية. لقد دعمت سورية في الآن ذاته الجماعات المسلحة العراقية السنية كما دعمت جماعة لبنانية شيعية مسلحة. أما الولايات المتحدة فقد تأرجحت بين مقاربات مختلفة، ومن خلال محاولات فاشلة لإقناع دمشق بتوضيح موقفها، من التركيز على عملية السلام خلال تسعينيات القرن الماضي إلى ممارسة الضغوط في عهد إدارة جورج دبليو بوش خلال العقد التالي. أما باراك أوباما، الذي قلب صفحة قديمة دون أن يستقر رأيه حيال الصفحة الجديدة التي يريد أن يفتحها، فيبدو عازماً على الانخراط مع سورية فيما يتعلق بالقضايا الثنائية، رغم أن هذه المقاربة تتسم بالحذر أكثر منها بالطموح. قد تنجح هذه المقاربة، لكن ليس إذا استمرت بنفس الأسلوب الذي اتبعته حتى الآن. قد تقوم سورية بتعديل سياساتها، لكنها ستفعل ذلك فقط إذا اطمأنت إلى أكلاف ذلك – من حيث الاستقرار الداخلي والمكانة الإقليمية. وهذا يتطلب العمل مع سورية على إيضاح ما ستحصل عليه مقابل مضيّها في رحلة غير مألوفة، وتنطوي بالضرورة على كثير من المخاطرة.
يتمثل جوهر المشكلة في وجود قدر كبير من عدم التوافق بين توقعات الطرفين. فالغرب يريد أن يعرف ما إذا كانت سورية مستعدة لتغيير سياساتها بشكل جوهري – الحد من علاقاتها مع إيران، وحماس وحزب الله أو قطع هذه العلاقات؛ وتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل – كوسيلة لتحقيق الاستقرار في المنطقة. أما سورية، فتريد أن تعرف، قبل التفكير في أي تحوّل استراتيجي هام، الاتجاه الذي ستتخذه المنطقة وصراعاتها الأكثر تقلباً، وما إذا كان الغرب سيقوم بدوره في تحقيق الاستقرار، وما إذا كانت مصالحها ستكون مضمونة.
من وجهة نظر سورية، فإن ثمة أسباباً مقنعة للتمسك بالوضع الراهن، فهذا الوضع ناسب سورية تماماً لحوالي أربعة عقود: فرغم وجود جوار مضطرب ومعادٍ، فقد أثبت النظام قدرته على البقاء في كل الظروف. لقد استعملت سورية علاقاتها بمختلف المجموعات والدول للحصول على الدعم السياسي والمادي، ولعبت دوراً إقليمياً يتجاوز حجمها ومواردها الحقيقية. فما مصلحة سورية في التخلي عن هكذا حلفاء أو التحول عن هذا السجل.
غير أن الرضا عن الماضي لا يعني الاسترخاء حيال المستقبل؛ فالبلاد تفتقر للموارد الطبيعية الكبيرة أو رأس المال البشري، والأبرز من ذلك فإنها تفتقر إلى عمالة مؤهلة وطبقة أعمال تتمتع بروح الريادة. والسوريون يرون المخاطر على كافة الجبهات؛ فاقتصادها يترنح، وبنيتها التحتية مهترئة. وعلى عكس الماضي، عندما كان الاتحاد السوفييتي ومن ثم السعودية يقدمان الدعم، وإيران أو والعراق يقدمان النفط الرخيص، ولبنان يوفر مرتعاً لعمليات النهب التي كانت تمارسها، لم يعد بوسع سورية الاعتماد على السند أو المدد الخارجيين. كل هذا، خصوصاً عنما يأتي في إطار سوق عالمية تنافسية وأزمة مالية، ما يحتم إجراء إصلاحات هيكيلية من شبه المؤكد أن النظام لا يستطيع القيام بها دون مساعدة غربية ودون توفر بيئة إقليمية هادئة.
فيما يتعلق بالديناميات الاجتماعية، فإن سياسات النظام تعزز الميول الإسلامية التي يمكن، بمرور الوقت، أن تعرّض الأساس العلماني للنظام للخطر. كما أضعف تخفيض الدعم وانهيار نظام الرفاه الاجتماعي، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، الدعامات الأيديولوجية للنظام؛ وقد حل محل الخطاب القومي تديجياً خطاب "المقاومة" الذي يحتوي عوامل مشتركة مع الحركات الإسلامية أكثر مما يرتبط ببعث الماضي. ثمة اشتباكات بين قوات الحكومة والمتشددين الإسلاميين أحياناً، يتراجع تواترها عندما يتبنى النظام القضايا الإسلامية الإقليمية بشكل واضح – ما يؤدي إلى إضعاف منظوره العلماني. إن الموقف الذي تم تبنيه خلال السنوات القليلة الماضية، والمتمثل في العلاقات الوثيقة مع إيران وحماس وحزب الله، ودعم المقاومة ضد إسرائيل وكذلك دعم ما شكّل توجهاً سلفياً للجماعات المسلحة العراقية، أدى إلى تشجيع نزعات تهدد التلاحم الاجتماعي طويل الأمد.
يمكن أن يتبين أن المكاسب الأخيرة المتحققة في المنطقة هي مكاسب مؤقتة. مهما شعر القادة بأن موقفهم كان صحيحاً فيما يتعلق بالعراق (حيث عارضوا الحرب الأميركية)، وفي لبنان (حيث لم يتمكن الائتلاف المدعوم من الغرب من إركاع سورية، وثبات حزب الله في مواجهة إسرائيل) أو في فلسطين (حيث اكتسب حلفاؤها الإسلاميون النفوذ)، فإنهم يظلون منشغلين بالصراعات وخطوط التماس التي لا زالت قائمة. إن انتشار الطائفية وانعدام اليقين على حدود سورية الشرقية والغربية، والطريق المسدود الذي وصلت إليه عملية السلام العربية – الإسرائيلية وخطر المواجهة بشأن البرنامج النووي الإيراني لا زالت تلبّد الأفق بالغيوم. كما أن احتمال انتقال عدوى التوترات الإقليمية إلى البلاد تقلق النظام وهو ما يفسر، بالإضافة إلى المخاوف الاقتصادية والاجتماعية، بحث النظام عن طريق مختلف للمضي إلى الأمام.
قد يكون التجسيد الأفضل لتذبذب سورية – اعتمادها على التحالفات القائمة من جهة وسعيها إلى الخروج من الوضع الحالي من جهة أخرى – في التوازن الذي تسعى إليه في العلاقة مع إيران وتركيا. يجادل المشككون في النظام بأنه لن يقطع علاقاته مع إيران، وهم محقّون. تبقى طهران شريكاً ذا قيمة كبيرة ولا غنى عنه، خصوصاً في ظل انعدام اليقين على المستوى الإقليمي. تقدم هذه العلاقة الطويلة مزايا عسكرية وتعاوناً أمنياً، إضافة إلى النفوذ الدبلوماسي سواء لدى الغرب أو لدى البلدان العربية.
غير أن هذا يشكل نصف الصورة فقط؛ أما النصف الآخر فيتكون من بناء العلاقات مع أنقرة. بالنسبة لدمشق، فإن هذه العلاقات تشكل فرصة للتحفيز الاقتصادي من خلال زيادة عدد السياح والاستثمارات وإمكانية قيام منطقة أكثر تكاملاً يمكن لسورية أن تلعب دوراً مركزياً فيها. علاوة على ذلك، فإن هذه العلاقات تتمتع بقيمة استراتيجية هائلة بوصفها بوابة تنفتح على أوروبا ووسيلة لتعزيز شرعية النظام في أعين مواطنيه وأعين مواطني العالم العربي السنة بشكل عام.
إضافة إلى ذلك، فإن الأمور ليست هادئة تماماً على الجبهة الإيرانية؛ فقد أصبحت العلاقة أقل تكافؤاً وعلى نحو متزايد مع ارتفاع حظوظ طهران. إن قرب سورية الشديد من إيران أضر بمكانة سورية في أعين العرب ولم يعد بالإمكان إخفاء الخلافات العميقة. تراقب سورية بقلق توسع النفوذ الإيراني، من العراق (الذي تعتقد سورية بوجوب بقائه في الفضاء العربي وحيث تعارض دعم إيران للأحزاب الشيعية الطائفية) إلى اليمن (حيث وقفت سورية مع الرياض فيما يبدو أنه حرب بالوكالة ضد طهران). وباختصار، فطالما بقي محيط سورية غير مستقر، فإنها ستحتفظ بعلاقاتها القوية مع إيران؛ وستسعى في نفس الوقت لبناء علاقات مكمّلة مع آخرين (تركيا وفرنسا ومؤخراً مع السعودية) لتوسيع حقيبتها الاستراتيجية والتوجه نحو مستقبل قد يكون مختلفاً. كان من المتوقع أن تكون جهود الرئيس أوباما شاقة ومضنية لتجاوز إرث صعب من عدم الثقة المتبادل. للمشككين بسورية نظراؤهم في دمشق الذين يعتقدون بأن واشنطن لن تقبل فعلياً بأن يكون لبلد عربي دور إقليمي مركزي. إن تحركات الإدارة البطيئة والحذرة ليست بالضرورة أمراً سيئاً. ثمة حاجة للصبر والواقعية. إن المنطقة تحفل بعدم الاستقرار بشكل لا يسمح لسورية أن تتحول فجأة؛ فالعقوبات الأميركية مرتبطة بسياسات سورية اتجاه حماس وحزب الله، وهذه بدورها رهينة تحقيق اختراق مع إسرائيل والذي لا يبدو أن الظروف نضجت لتحقيقه. كلا الطرفين غير مستعدين لقفزة مفاجئة، وكلاهما لديهما مشككين داخليين وخارجيين عليهما التصدي لهم.
غير أن إيقاع التقدم أقل إقلاقاً من التوجه الذي يسير فيه. يبدو أن الإغراء في واشنطن يتمثل في اختبار حسن نوايا سورية – هل ستفعل المزيد لإلحاق الضرر بالجماعات المسلحة في العراق، وتساعد الرئيس عباس في فلسطين أو تحقق الاستقرار في لبنان؟ من شبه المؤكد أن هذا لوحده لن ينجح. الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد الذي يبحث عن الأدلة. سورية أيضاً تريد أن ترى أدلة على أن المخاطر التي تتخذها أقل من المكاسب التي ستحققها. إن تقلّب أحوال المنطقة يدفعها إلى الحذر وإلى أن تتحوط لرهاناتها بانتظار قدر أكبر من الوضوح حول الاتجاه الذي ستتخذه المنطقة، وخصوصاً ما ستفعله واشنطن.
إن المقاربة الأكثر حكمة هي في أن تقوم الولايات المتحدة وسورية معاً باستكشاف إمكانية وجود أرضية مشتركة حول القضايا الإقليمية. من شأن هذه المقاربة أن تختبر نوايا كلا الطرفين، وتعزز مصالحهما وتبدأ بتشكيل الشرق الأوسط بطريقة يمكن أن تُطمئن دمشق إزاء مستقبلها. فيما يتعلق بالعراق، قد لا تقوم فعلاً بممارسة أي تأثير إيجابي إلى أن يتم تحقيق تقدم نحو المصالحة الداخلية. يمكن للولايات المتحدة أن تدفع في هذا الاتجاه، وأن تختبر تحركات سورية، وأن تقدم لها، مع الحكومة العراقية، احتمال إقامة علاقات اقتصادية أقوى مع جارتها. تزعم سورية أن بوسعها دفع حماس لجعل رؤاها أكثر اعتدالاً إذا كانت الولايات المتحدة راغبة فعلاً في وضع حد للانقسام الفلسطيني. يمكن للطرفين ان يتفقا على جعل لبنان في منأى عن الصراعات الإقليمية ودفعه للتركيز على قضايا الإدارة الرشيدة التي أُهملت لوقت طويل. وبالنظر إلى الرؤى والشكوك الحالية في دمشق وواشنطن، فإن هذه المقترحات جميعها تبدو بعيدة المنال. إلاّ أن عدم وجود الكثير مما يدفع على التفاؤل في الشرق الوسط، يجعل من العملية رهاناً يستحق المحاولة.
هذا تقرير من تقريرين حول السياسية الخارجية السورية. أما التقرير الثاني، الذي سينشر قريباً، فسينظر على نحو أكثر تفصيلاً في تغيرات محددة حدثت لمقاربة دمشق للشؤون الإقليمية والتطورات المحتملة للعلاقات السورية الأميركية.
(II)
عادة ما يستحضر ذكر سورية في الأذهان الركود والتصلب؛ وثمة ما يبرر ذلك في بعض الأحيان. إلاّ أن السنوات القليلة الماضية حفلت بالتغييرات. ففي عام 2008، وافقت سورية على الشروع في مفاوضات مع إسرائيل بوساطة تركية، وأقامت علاقات مع الحكومة العراقية بعد أن كانت تصفها لوقت طويل بصنيعة الاحتلال غير الشرعي. وبدأت بتطبيع العلاقات مع لبنان بعد سنوات من مقاومتها مطالباته بالسيادة. كما سرّعت من إصلاحاتها الاقتصادية. غير أن هذه الإصلاحات لا ترقى إلى كونها ثورية، وبعضها فُرّض عليها ولم يكن من اختيارها، ويتسم بالانتهازية أكثر من كونه نتاجاً للتفكير الإصلاحي. رغم ذلك، فبالمعايير السورية، تبقى هذه التغيرات كبيرة، خصوصاً بالمقارنة مع ما كانت عليه في السنوات الأخيرة من تشدد بالغ.
في تقرير مرافق يتضمن نفس التوصيات نشر في 14 كانون الثاني/ديسمبر 2009، حلّلت مجموعة الأزمات العوامل الكامنة وراء هذا التطور الاستراتيجي. أما هنا، فتستكشف المجموعة بالتفصيل آلية، ومدى وحدود هذه التغييرات، إضافة إلى التحديات التي تواجهها إدارة أوباما إذا أرادت أن تستغلها وتعززها. وهذا كل ما تستطيع فعله قبل تحقيق تقدم حقيقي في المفاوضات السورية الإسرائيلية. ولأسباب تتعلق بإسرائيل وسورية والولايات المتحدة، فإن ذلك قد يستغرق وقتاً طويلاً. في هذه الأثناء، ينبغي لواشنطن ودمشق أن تمضيا إلى ما وراء التفاعلات التكتيكية وذلك برفع مستوى انخراطهما وتوسيع أجندته واتخاذ خطوات سريعة للتركيز على الخطوات المشتركة فيما يتعلق بالعراق.
لم تكن تحركات سورية هذه مقدّرة أو محتومة بأي حال من الأحوال؛ فكل منها جاء ليعكس عملية متأنية وحذرة كان النظام خلالها يقيّم بعناية أثر كل خطوة قبل اتخاذ الخطوة التي تليها. وكان اتخاذ كل خطوة ينطوي على تفاعل بين وجهات نظر مختلفة حول أفضل السبل للدفاع عن المصالح الوطنية. غير أن كل تلك الخطوات كانت تؤشر على أن الرئيس بشار الأسد يزداد قوة وحزماًً، رغم أن عليه أن يتعامل مع مراكز قوى متنافسة ورؤى مختلفة، كما تؤشر على تنامي قوة جيل من المقربين الذين دأب الرئيس على وضعهم في مراكز حساسة. في بعض الأحيان كان هناك ارتكاسات تؤشر على أن التحول من درجة كبيرة من التشدد إلى درجة أكثر وضوحاً من البراغماتية يظل عرضة للتغيرات السلبية في المشهد الإقليمي أو للعرقلة من قبل حلفاء سورية، وبالتالي فكل شيء قابل للعكس.
ليس لانتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة أثر يذكر على هذا التطور؛ إذ أن هذه التغيرات بدأت خلال إدارة بوش، عندما كان العديد من السوريين يراهنون على فوز جون ماكّين ولأسباب لا علاقة لها البتة بالولايات المتحدة. رغم ذلك، فإن فوز رجل كان قد وعد بجعل الانخراط دعامة رئيسية في سياسته الخارجية ساعد على تنامي الأمل في أن العلاقات الثنائية ستستأنف على أرضية أكثر صلابة وأن الجانبين قد يجدان سبلاً مشتركة للعمل معاً إزاء السياسات الإقليمية.
لم يتحقق ذلك حتى الآن، ولكل طرف تفسيره لذلك. فسورية مقتنعة أنها اتخذت الخطوات الأولى – في العراق ولبنان بوجه خاص – وأن واشنطن ينبغي أن تقوم بما عليها. توقعت دمشق أن تقوم الإدارة بالعودة عن أجزاء على الأقل من إرث عهد بوش، وإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية بتعيين سفير لها في دمشق، وإظهار قدر أكبر من المرونة فيما يتعلق بالعقوبات، والدفع باتجاه استئناف المحادثات الإسرائيلية السورية، وطرح إقامة شراكة فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية حيث ادّعت سورية أنها راغبة بالتعاون. وتقول دمشق إنه دون الحد الأدنى من وجود رؤية مشتركة، فإنها غير مستعدة ببساطة للإذعان لمطالب واشنطن. تشعر دمشق أنه يُطلب منها أن تثبت أهميتها، بدلاً من أن تُعامل كشريك ذا قيمة.
أما الولايات المتحدة فترى نمطاً متكرراً من السلوك السوري، حيث تقوم بوقف بعض الأعمال العدائية وتتوقع أن تكافأ على ذلك، في حين تستمر بالضلوع بأنشطة غير ودّية (مثل السماح لبعض أفراد الجماعات المسلحة بالتسلل إلى العراق أو تسليح حزب الله) والاعتماد على أن يُغض النظر عن ذلك. إضافة إلى ذلك، فإن الإدارة الشابة تعتقد بأن لديها مسائل أكثر إلحاحاً، كما أن عليها التعامل مع كونغرس وحتى حلفاء إقليميين أكثر تشككاً (خصوصاً في لبنان والعراق) وتخشى أن استئناف المسار السوري – الإسرائيلي في وقت توقّف فيه المسار الفلسطيني يخاطر بالقضاء على أية فرصة لدفع الحياة في هذا المسار الأخير.
نتيجة لذلك، كان كل جانب يرى قيمة كبيرة في إشارات حسن النية التي أطلقها وفي نفس الوقت يقلل من قيمة إشارات الطرف الآخر. لقد انخرطت الولايات المتحدة بالفعل، وأرسلت مسؤوليها إلى دمشق، غير أنها لم تصل إلى درجة إطلاق حوار استراتيجي مع سورية يتم من خلاله تبادل وجهات النظر حول مستقبل المنطقة. كما لم تتّبع، فيما يتعلق بالقضية الأكثر إلحاحاً وهي العراق، مقاربة تبدأ من المستويات الدنيا وصولاً إلى المستويات العليا من أجل بناء الثقة والتوصل إلى نتائج ملموسة. بدلاً من ذلك، فإنها ألغت المحادثات الأمنية حول الموضوع حالما قرر رئيس الوزراء العراقي – الذي اتهم سورية بالضلوع في سلسلة مأساوية من التفجيرات – معارضة هذه المحادثات. وفي هذه الأثناء قامت سورية بما تتقنه وهو الانتظار. فقد امتنعت عن التقدم بمقاربة خاصة بها لعملية الانخراط، ناهيك عن التقدم بأية رؤية للمنطقة من شأنها أن تحظى برغبة الولايات المتحدة بالمشاركة.
لم يكن من الواقعي أبداً توقّع أن مجرد الدعوة للشروع في الانخراط ستمحي سنوات من انعدام الثقة، والمفاهيم المتعارضة للمنطقة والتحالفات المتنازعة. ثمة حاجة الآن لعملية مثمرة وليس لنتائج دراماتيكية، لكن حتى ذلك غير متوفر الآن.
لا زال الوقت مبكراً، فالرئيس أوباما لم يستثمر شخصياً في الملف السوري، ولا زال من الممكن إعادة إحياء المسار السوري – الإسرائيلي، وتستمر الولايات المتحدة وسورية في التعبير عن رغبتهما المشتركة في فتح صفحة جديدة. وإذا تعلق الأمر بالمناخات على الأقل، فإن ثمة تحسن ملحوظ في العلاقات الثنائية. إلاّ أن هذه العلاقات ليست على الدرجة التي ينبغي أن تكون عليها ولم يتم استغلال الفرص السانحة لإيصالها إلى هذه الدرجة.
ثمة غيوم محتملة تلبّد الأفق، إذ يمكن للمحكمة الدولية حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري أن تتطور بطريقة من شأنها أن تعقّد بقدر كبير إدارة الملف السوري، وكذلك الأمر بالنسبة لتحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في البرنامج النووي السوري المزعوم. كما يمكن للعنف في العراق أن يُحدث تراجعاً في العلاقات السورية الأميركية في غياب إطار أمني مشترك. ويبقى الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية متوتراً، كما أن الأسباب الجوهرية لحرب غزة عام 2008 لم تعالج بعد. ويمكن لمواجهة بشأن الملف النووي الإيراني أن تدفع بالمنطقة في اتجاه خطر يصعب التكهن به.
لا تتمثل توقعات النجاح الواقعية هنا في تحقيق اختراق سريع بين سورية والولايات المتحدة؛ فالعملية في أفضل الأحول تحتاج إلى وقت طويل وينبغي أن تنتظر تغيرات في المنطقة وتحقيق تقدم حقيقي باتجاه السلام بين سورية وإسرائيل. بل إن الاختبار هو ما إذا كان بوسعهما تحريك العلاقة بما يكفي لمنع ومقاومة الأزمات التي لا بد أن تنشأ ودائماً على نحو غير متوقع.
=====================




















