وضع الهجوم البربري على قطاع غزة وابنيتها واقتصادها ومدارسها وبناها التحتية حركة "حماس" في مأزق حقيقي مشابه إلى حد كبير للمأزق الذي أحاط بـ"حزب الله" على أثر العدوان الإسرائيلي التدميري على لبنان في تموز 2006. جوهر المأزق يمكن إيجازه بحقيقة جوهرية هي التفاوت الهائل في ميزان الأرباح والخسائر بين الأذى المحدود نسبيا الذي سببته التحرشات المسلحة في لبنان أو في غزة للعدو وبين الأذى الهائل بل التدمير الشامل الذي ردت به إسرائيل على تلك التحرشات.
وقد قامت الدولة العبرية كما يبدو بتطوير نهج عسكري لمواجهة الحركات المسلحة الشعبية يختلف تماما عن المذاهب العسكرية في قتال الجيوش وهو نهج يقوم على تدمير القاعدة المدنية والاقتصادية للمقاومة واستخدام التفوق العسكري ليس لمنازلة المقاومين على الارض بل لإلغاء ميزة الاحتماء بالمجتمع المدني عبر التدمير المنهجي للاقتصاد المدني الذي يستندون إليه ورفع الكلفة الإنسانية والمادية للعدوان إلى ما يتعدى الاحتمال الانساني.
وبهذا المعنى فإن من السطحية بمكان القول إن العدو انهزم أو أن المقاومة انتصرت باعتبار أن الإسرائيليين لم يستطيعوا استئصالها، لأن الهدف الإسرائيلي في مرحلة الحرب على الحركات المسلحة لم يعد هدفا عسكريا بل هدف ردعي نفسي واقتصادي وبشري بالدرجة الأولى. ومؤدى هذا الاسلوب هو تحويل الدمار الشامل في حد ذاته إلى الهدف الاستراتيجي للحرب بحيث يتم إشغال المقاومين واستنزاف شعبيتهم ومعنوياتهم بمشكلات داخلية هائلة الكلفة يتعين عليهم وعلى الجهات الداعمة العمل سنوات لتجاوزها (على سبيل المثال فإن نحو 36% من الاراضي الزراعية التي تؤمن أود قطاع غزة تم جرفها وتدميرها إبان العدوان الأخير).
وبرغم المخاطرة السياسية الكبيرة في اتباع الاساليب الوحشية التي استخدمت فقد بدت إسرائيل قابلة بالتبعات العملية للاستراتيجية الجديدة ليس فقط بسبب محاباة الغرب واعتيادها تحدي الرأي العام الدولي بل بسبب الموقف الضعيف سياسيا لحركة "حماس" بالنظر الى لانقسام الفلسطيني والانقلاب المسلح الذي قامت به الحركة وجردها عمليا من أي شرعية دولية أو دعم خارجي -باستثناء الدعم الإيراني- بل وبسبب حرمانها من الدعم الفلسطيني الداخلي بعد أن قامت بتصفية الوجود المعارض وخصوصا حركة "فتح" في القطاع. وقد حصل امر مشابه لـ "حزب الله" في لبنان عندما قُدّمت الحرب على لبنان باعتبارها حربا على الحزب وحده، لكن استفراد "حماس" و "حزب الله" يعود ايضا لاسباب رئيسية منها:
• تبدل المزاج الدولي تجاه الحركات المسلحة وخصوصا المتعصبة منها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتعزز اتجاه العولمة بدليل ما يحصل في سري لانكا وكولومبيا والكونغو والعراق وأفغانستان وغيرها الكثير.
• توافر "الذريعة السياسية" المستقاة من واقع انشقاق تلك الحركات عن مجتمعاتها وظهورها بوضوح كامتداد عسكري واستراتيجي لقوى خارجية هي في الوقت نفسه على خلاف وعداء مع القوى الغربية المهيمنة. وهذا الانسلاخ عن الدولة الأم وعن المحيط الإقليمي الغالب خيار خطر، لأنه يسهل إظهار الحرب باعتبارها حربا عقابية على "المتطرفين" وليس على البلد أو الدولة السيدة ويخفف كثيرا من العواقب السياسية والديبلوماسية للعدوان. ولنذكر أن الولايات المتحدة بدأت ممارسة هذا التكتيك في باكستان بذريعة تصفية مقاتلي "طالبان" ومن دون اعتبار لسيادة باكتسان أو احتجاجاتها المتكررة.
• هناك أخيرا واقع أن الحركات المسلحة تحاول الإبقاء على نشاطها المسلح وتبرير كياناتها المستقلة في عالم عربي ثلاثة أرباعه متساكن مع إسرائيل وربعه الباقي يسعى للتصالح معها وليس بالتالي في وارد دخول مواجهة عسكرية معها لا الآن ولا في المستقبل. وهذا الأمر يضعف حجة هذه الحركات شعبيا ويجعلها في موقع من يسبح عكس التيار ويكشفها بالتالي لعمليات الردع القاسي أو لعمليات الاستغلال المكيافللي من أنظمة تستخدمها كورقة يتم التضحية بها عندما تقضي المصلحة بذلك.
إن المذهب الردعي الإسرائيلي الجديد (بعد المهادنة السابقة) يضع الحركات المسلحة في مأزق كبير لأن هذه الحركات وبسبب خطابها المرتفع لا تستطيع القبول ولو الضمني بسلام أو هدنة مفتوحة من دون أن تخسر في الوقت نفسه صدقيتها والمبرر الأساسي لوجودها المعارض لخط "الاعتدال" أو على الأقل لوجودها ككيان منفصل أو كدويلة لا تعترف ضمنا بسلطة الدولة "المهادنة" التي تعمل في ظلها. لكن هذه الحركات وبعد تجربتي تموز 2006 في لبنان وكانون الأول 2009 في غزة لم يعد في إمكانها في المقابل تأكيد "تمايزها" وممارسة مهمتها الأصلية كحركات مقاومة، أولا بسبب التدويل غير المباشر لمناطق النزاع وتقييد عمل تلك الحركات بقوة القرارات الدولية، وثانيا لأن إسرائيل انسحبت من مناطق المواجهة المباشرة، واخيرا لأن الأخيرة قررت إجبار الحركات المسلحة على مواجهة الثمن السياسي الباهظ لعمليات "إثبات الوجود" من طريق اتباع نهج ما سماه أولمرت أخيرا "الرد غير المتناسب" على أي تحرشات "ولو كانت إطلاق صاروخ واحد". وقد وضعت إسرائيل بذلك سكينها في نقطة الضعف الحقيقية للحركات المسلحة لأنه ما من حزب أو حركة سياسية مسؤولة يمكن أن تتحمل (وتحمل جمهورها) الثمن الهائل لتدمير الاقتصاد والمجتع تكرارا والتضحية بألوف الأبرياء فقط من أجل عمليات "إثبات وجود" استعراضية في حقيقة الأمر، وهي عمليات لا تهدف في الحقيقة سوى إلى تبرير الواقع الانقسامي والتمسك بسراب السلطة وعرقلة أي عملية توحيد للمجتمع أو تأكيد لسلطة الدولة المنتخبة والشرعية.
ولا بد من القول إن إسرائيل تمكنت وقبل تحولها إلى الأسلوب الردعي الجديد من التكيف التدريجي مع التحدي الذي تمثله حركات المقاومة في فلسطين خصوصا عبر تطوير اساليبها ودفاعاتها ضد العمليات الفدائية على جيشها أو العمليات الانتحارية في الداخل لا سيما مع بناء جدار الفصل العنصري ومضاعفة الاحتياطات والحواجر وعمليات التفتيش والاستخدام الكثيف للعملاء وعمليات الدهم والملاحقة والاغتيال في الاراضي الفلسطينية.
وبهذا المعنى فإن تحول "حماس" وبعض الفصائل الهامشية في غزة إلى أسلوب إطلاق الصواريخ على البلدات والمستوطنات الإسرائيلية في جنوب فلسطين لم يكن "تطورا نوعيا" في المقاومة بل كان نوعا من التقهقر والاقرار الضمني بصعوبة الدخول في مواجهات مباشرة مع الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي. لكن إطلاق الصواريخ لم يكن قرارا واعيا أو مدروسا بل كان باب الهروب الوحيد المفتوح أمام الحركة للظهور بمظهر من يرد على الحصار السياسي والاقتصادي فضلا عن تأكيد التمايز عن السلطة الفلسطينية "المهادنة"، وأخيرا تبرير المأزق الذي أوقعت الحركة نفسها فيه بسبب الاستيلاء بالقوة على القطاع والتضحية بوحدة الصف الفلسطيني وكذلك بالدعم العربي – الحيوي جدا للقضية الفلسطينية. ويذكّر تحول "حماس" من المقاومة الفعلية إلى رشق الصواريخ إلى حد كبير بالتكتيكات الفاشلة التي استقرت عليها المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان بعد مرحلة العمليات الفدائية والتسلل إلى داخل فلسطين. إذ تقلصت "المقاومة" يومها إلى إطلاق الصواريخ من القرى الجنوبية على شمال إسرائيل لكن مع انسحاب عناصر المنظمات فور انطلاق تلك الصواريخ وترك القرى والمدنيين فريسة سهلة للانتقام العشوائي الصهيوني.
وقد انتهت مقاومة رشق الصواريخ بغزو بربري وشامل للبنان في العام 1982 أنهى المقاومة الفلسطينية كقوة عسكرية مثلما، ان العدوان الشامل على غزة أنهى عمليا صيغة "المقاومة" التي استقرت عليها "حماس" وهي إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. وهذه النتيجة تعرفها "حماس" وهي التي تعلم أيضا أن لا مجال الآن لإعمار القطاع أو عودة الأمور إلى طبيعتها أو حتى خروج زعمائها إلى الضوء وعيشهم حياة طبيعية من دون التخلي الفعلي عن الصواريخ وعن عمليات التسلح السابقة ناهيك عن الشروط الأخرى المعلنة أو غير المعلنة (مثل منع تهريب السلاح وإعادة توحيد السلطة الفلسطينية). وفي هذه الخاتمة أيضا مقارنة صحيحة بما افضت إليه استراتيجية "الردود التذكيرية" من خسارة "حزب الله" منطقة جنوب الليطاني وقيام المنطقة العازلة وأحكام القرار الدولي 1701.
وعلى عكس هتافات النصر المبين للحركات المسلحة فإن تجارب المواجهة في السنتين الأخيرتين لا تحمل ما يدعم تلك الإعلانات الحماسية. فبغض النظر عن الخسائر الفادحة المباشرة لتلك المواجهات فإن صورة الوضع العربي العام بعدها تبدو أسوأ وأكثر اهتراء. فالشعب الفلسطيني الآن منقسم أكثر والشعب اللبناني تمزقه الضغائن وتحكمه مؤسسات شبه مشلولة، والعالم العربي لم يشهد منذ غزو صدام للكويت انقساما كالذي يعيشه الآن، وإسرائيل وحدها تبدو على قوتها واتحادها على حروب الانتقام والإهانة وهي تفعل ما تريد دون رادع. أما الحركات الجهادية فإنها وبعد إعلانات الانتصار والشعارات العالية تبدو مرغمة على الإقرار بصعوبة الاستمرار المعاند في ظل الاختلال الكاسح في الموازين ومناخات الانقسام العربي، وإن كانت تبحث في ارتباك عن وصف مناسب للتسليم بالأمر الواقع الجديد.
الغريب في الأمر ان الحركات التي نتحدث عنها ليست حركات ثورية بالمعنى التقليدي بل هي أحزاب حاكمة مسؤولة أو مشاركة في حكومات مستقلة ولها سيادتها على شؤونها ومؤسساتها، أي حركات يفترض أن يكون قسم كبير من اهتمامها منصبا على المشاركة في الحكم وتعزيز المناعة الداخلية عبر المشاركة الإيجابية في بناء الاقتصاد القوي والمجتمع المستقر وخدمة الناس ومكافحة الفقر. والاقتصاد القوي خصوصا هو عصب الحروب والصمود السياسي ولا يمكن شعباً دائماً أو مدمراً أن يصمد ويقاتل. لكن هذه الحركات التي تستهلك تسعة أعشار الوقت في التناحر السياسي مع شركائها في القضية لا تبدو مهتمه بكل هذه الشروط الأساسية لنجاح اي قضية وطنية أي الوحدة الداخلية أولا ثم البناء الإيجابي ثم –لا ننسى ذلك- الاستقلال الحقيقي الذي وحده يأتي لأي قضية وطنية بالتعاطف من كل مكان، كما حصل لانتفاضة الاستقلال اللبناني الثاني وللقضية الفلسطينية في انطلاقتها الأولى. وكيف يمكن حركة تحرير أن تكون هي نفسها غير حرة؟ وأي حرية يمكن حركة مرتهنة بقوى خارجية أن تعد بها الشعب الذي تريد دعمه وتحمله الأثمان الباهظة لـ "التحرير" في حياته واقتصاده وأمن أطفاله؟
وما هي الخيارات التي تطرحها علينا دويلاتنا المسلحة بعد كل تلك التجارب القاسية؟ لا شيء في الحقيقة سوى إصرارها على اعتبار بقائها المادي وتثبيت الأمر الواقع الانقسامي ذاته الخيار الوحيد المقبول والمرادف لنصر متوهّم في غياب أي نتائج سوى التقهقر المتفاقم في ساحة المواجهة.
(كاتب سياسي لبناني)
"النهار"




















